بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ذكرتُ في منشورَين سابقين أن الله تعالى يُمسك السموات والأرض فيحول ذلك دون أن تتلاشيا وتزولا، وأن هذا هو ما يتكفل بأن يستقر كل موجود من موجودات هذا الوجود فلا يفنى، وأن في هذا ما يمكن أن نشير إليه بأنه “الحِفظ الإلهي للسموات والأرض وما فيهما”. ولقد أكَّد القرآن العظيم هذه الحقيقة، وذلك في آيتين كريمتين يكفل تدبُّرهما تبيان ما ينطوي عليه هذا الحفظ الإلهي من أبعادٍ بمستطاع علم هذا الزمان أن ينتفع بها في صياغة تصوُّر أكثر اقتراباً من الواقع مادام فيه من الحقيقة ما يجعله أفضل مما بين أيدينا من تصور للكون بناه العلم المعاصر على تدبُّر له استُبعد منه خالقه والذي يتكفل بإمداده بعِلَّة بقائه وديمومته إلى حين (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُون) (2 الرعد)، (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) )(10 لقمان.
كما أنبأنا هذا القرآن عن حقيقة تخص الوجود القادم يوم القيامة، وذلك في الآية الكريمة 67 الزمر (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون). فإذا كان الله تعالى يُمسك سموات وأرض الآخرة، كما تُجلِّيه وتُبيِّنه هذه الآية الكريمة، فإن ذات ما ورد فيها من توصيف هو ما عليه حال سموات وأرضين هذه الحياة الدنيا مادامت هذه الأرضين يُمسك بها اللهُ بقبضته، وطالما كانت سموات هذا الوجود مطويات بيمينه تعالى. إن هذا الذي يحول دون أن تزول السموات والأرض في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة هو ما يتكفل به التواجد الإلهي دون وساطةٍ من أي سببٍ من الأسباب. وهذا التواجد الإلهي يكفل للسموات والأرض أن تقوما بأمر الله تعالى فيكون لهما ما يجعل كل ما فيهما من خلقٍ يتماسك بهذا الذي يؤمِّنه تواجد الله تعالى من تدخُّلٍ إلهي مباشر من وراء حجاب الأسباب (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُون) (25 الروم). وهذا هو ما ليس عليه الحال مع ما تتكفل به أسباب عالم الحجاب من توفيرٍ لما هو بمستطاعه أن يكفل لموجوداتٍ في هذا العالم أن يكون لها ما يجعل بمقدورها أن تخرق قوانينه بتدخل إلهي غير مباشر من وراء هذا الحجاب. لنتدبر الآيتين الكريمتين التاليتين: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) (19 الملك)، (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون) (79 النحل). فالله يُمسك الطير فيحول دون أن تقع على الأرض، وذلك بوساطةٍ من أسبابٍ يتوارى من وراء حجابها بتدخُّلٍ إلهي غير مباشر من لدنه تعالى. وهذا ليس ما هو عليه الحال مع موجودات هذا الوجود قاطبةً مادام بقاؤها وديمومتها إلى حين يتكفل بهما التدخل الإلهي المباشر المتجلي بما صرَّح به قرآن الله العظيم من أن الله تعالى يُمسك بالسموات والأرض دون أن يكون هناك من وساطةٍ من أسباب عالم الحجاب.
لقد أوضح لنا هذا القرآن أن لله تعالى نمطَين لتدخُّله في أحداث هذا الوجود: تدخُّل إلهي مباشر كما يُجلِّيه حفظه تعالى للسموات والأرض وما فيهما حتى لا يزول الوجود ويبقى متماسكاً إلى حين مجيء يوم القيامة، وتدخُّل إلهي غير مباشر تتكفل به أسبابٌ خلقها الله وجعلها حجابه الذي يتوارى من ورائه بتلطُّفٍ خفي يكفل لمن لا يؤمن بوجوده تعالى أن يُعلِّل لعدم إيمانه هذا.

اخي هل يمكن لنا ان اعرف على ماذا تعتمد في استقرئ الواقع وماهي آلية الفهم لذالك وكيف تقوم بالحكم على موجوب هذا الإستقرئ.
إعجابإعجاب