بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
من أبرز دلائل كون الإنسان مستولىً عليه من قبل نفسه أنك تجد كثيراً منا عاجزين عن “تمشية الأمور” دون المبالغة في التركيز على تفاصيلها وجزئياتها. فكم من الخصومات كان بالإمكان تفاديها لو أن الواحد منا لم يكن “مرهف الحس” فلا يدع ما يظن أنها إساءة إليه تمر دون أن يُتبعها بردٍّ يفوق في أحيان كثيرة هذه الإساءة إيجاعاً وإيلاماً! وهذا ما لا ينبغي أن يُتوقَّع من الغالبية العظمى من أفراد الجماعة الإنسانية، طالما كان الواحد منا لا قدرةَ له على زجر النفس التي ابتُلي بها عن مطالبتها له بأن يكون “حازماً” و”صارماً” في هذا الموقف أو ذاك، حتى لا يُداس له على طرف مستقبلاً!
وهذه النفس لا تريد لصاحبها أبداً أن يؤثر العفو على الرد بالمثل أو أكثر، طالما كان في هذا من الإحسان ما يجعلها تخشى أن يصير هذا الإحسان ديدنه ودأبه، فتفقد بالتالي رويداً رويداً سيطرتها عليه. ولذلك جاءنا الدين بكل ما من شأنه أن يعين الواحد منا على نفسه وذلك بإجبارها على ما تكره واضطرارها إلى تقبل الإساءة وحملها على عدم المسارعة إلى الرد والانتقام. وكل من يظن أنه “متدين” وقلبه عامرٌ بالحقد فهو في حقيقة الأمر ليس على شيء، طالما لم يكن قادراً على أن يحول دون أن تحقق نفسه مرادها بجعله يؤثر عاجل الانتقام على آجل أجر الله تعالى. فمتراكم هذا الأجر هو ما سيتكفل بالتدريج بجعلك تتملص شيئاً فشيئاً من استحواذ نفسك عليك وتملُّكها لك. وهذا هو جوهر التدين وفحواه، وهذا هو ما بوسعنا أن نقع عليه بتدبر الآيات الكريمة: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) (96 المؤمنون)، (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيم) (34-35 فصلت).
