أصل الإنسان ومصيره

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

brain tree

يعذب الإنسانَ سؤالان يجعلانه لا يهنأ له عيش، فينغصان عليه حياته بهذا الذي يلحان عليه بظهورهما المستفز والمتحدي لما يظن أنه تصور الوجود من حوله، والذي اهتدى إليه بإعمال عقله في وقائعه وأحداثه وظواهره. وهذان السؤالان قد رافقا الإنسان منذ قديم الزمان، ولم يفلت منهما آدمي عبقرياً كان أم من الجُهَّال. وبالإمكان صياغة هذين السؤالين على النحو التالي: من أين جاء الإنسان؟ وإلى أين يذهب الإنسان؟

ولقد صاغ هذان السؤالان كل فلسفةٍ تأتى للإنسان أن ينظر بها إلى الوجود وأحداثه، محاولاً أن يجد في ثنايا هذه الفلسفة أو تلك إجابةً على هذين السؤالين تشفي غليله وتجعله يهنأ بعيشه دون أن ينغِّصاه. ولكن محاولات الإنسان الفلسفية للوقوع على إجابة لهذين السؤالين باءت كلها جميعاً بالفشل الذريع. ولم يستطع العلم أن يقدِّم الإجابة المنشودة طالما استحال عليه، ما استحال على الفلسفة من قبله، أن يحدد ماضي الإنسان ومستقبله تحديداً تشهد له بأنه الحق قدرتُه على أن يعلِّل لتناشز الإنسان عن الطبيعة التي نشأ عنها. وهذا التناشز هو الذي يجعل الإنسان كياناً يتناقض وجوده مع مسلَّمات العلم وبديهياته، طالما لم يكن بين يدي العلم إلا ما يمكِّنه أن يقطع بأن هذا الإنسان قد نشأ نشأةً طبيعية، حاله في ذلك حال غيره من كائنات الطبيعة. إلا أن هذا الذي ليس بمقدور العلم أن يقول بغيره، يتناقض مع شذوذ الإنسان عن الطبيعة، كما هو ليس بخافٍ على من لا تجعله التشابهات التي تجمع بين الإنسان والحيوان يغفل عن الاختلافات التي تفرِّق بينهما. ويتجلى هذا العجز العلمي عن التعليل للإنسان بهذا الذي يتميَّز به الإنسان من عجزٍ عن أن يكون متناغماً مع الطبيعة، متوافقاً مع قوانينها، وبما يجعل منه معتلاً سقيماً بأمراضٍ وعلل طالت “النفس” منه قبل البدن.

وهكذا برهن الإنسان على عجز عقله عن أن يعلل لهذه الـ “لا الطبيعية” التي انفرد بها وتميز عن باقي كائنات الطبيعة. والعقل العاجز عن أن يتبيَّن العلةَ التي جعلت من الإنسان “لغزاً” بهذا الذي هو عليه من شذوذ عن الطبيعة التي نشأ عنها، لهو أعجز عن أن يكون بمقدوره أن يجيب على السؤالين المؤرِّقين للإنسانية منذ أن خطت خطواتها الأولى على أرض هذا الكوكب. ولذلك فلم يكن هناك مَن بمقدوره أن يعين الإنسان على أن يحصل على الإجابة المنشودة لهذين السؤالين غير الدين، طالما كان الدين يقول بأن أصل الإنسان ومصيره بيد مَن خلقه. وهكذا جاءنا الدين بالإجابة التي لم يكن بمقدورنا أن نحصل عليها مستعينين بهذا العقل الذي صاغه الواقع فتحتَّم عليه بالتالي أن تكون الحقيقة بعيدةً عن متناوله. وأصبحنا بذلك نعرف الإجابة على السؤالين اللذين حيرا عقولنا التي ما كان لها أن تتمكَّن من معرفة ما جاءنا به الدين من نبأ يقين عن أصلنا “اللاطبيعي” وعن مصيرنا من بعد أن تفنى الطبيعة وتبَدَّل بطبيعةٍ أخرى لا تفنى أبداً.

أضف تعليق