بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يخطئ الإنسان إذ يظن أن المال الذي بحوزته هو ماله. فالمال هو مال الله يؤتيه من يشاء (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) (من 33 النور). ومال الله هو كل ما آتاه الله عباده من ثروات، وذلك مصداق قوله تعالى (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ. فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) (35 -36 النمل). ولأن المال مال الله، فلقد حرص القرآن العظيم على التذكير بهذه الحقيقة التي يحرص الإنسان بدوره على تجاهلها والتغافل عنها طالما كانت تستدعي منه إخراج هذا المال العزيز الذي هو في نظره ماله الحر الذي لا حصة لأحد فيه إلا بما شاء هو أن يقسم له منه ويقتطع بسكين نفسه التي أُحضرت الشُّح والبُخل والتقتير (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) (من 128 النساء)، (وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) (من 38 محمد)، (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) (من 100 الإسراء).
ولقد تنوعت إشارات القرآن العظيم إلى وجوب إنفاق المال على مستحقِّيه من فقراء ومساكين ولم تقتصر هذه الإشارات القرآنية على “الزكاة” التي جاء ذكرها في هذا القرآن 28 مرة. وهذا إن دلَّ فإنما يدل على عظيم قدر الإنفاق وما له من قدرةٍ على جعل السالك العابد ينجح في تطويع نفسه وجعلها تأتمر بأمره من بعد أن كانت هي الآمر الناهي. وإخراج المال وإنفاقه ليسا كما يتوهم الإنسان الذي يعجز عن أن يتبيَّن فيهما غير خسارةٍ لا مبرر لها. فاللهُ تعالى يُخبرنا أنه ما سألنا هذه الأموال إلا رحمةً منه بنا (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ) (37 محمد).
وتدبُّر القرآن العظيم كفيلٌ بجعل متدبِّره يُفاجأ لكثرة ما ورد فيه من إلحاحٍ إلهي على إنفاق المال وإخراجه. وهذا كفيلٌ بجعل المتدبِّر لقرآن الله العظيم عاجزاً عن أن يتقبَّل ما أجمع عليه المفسِّرون التقليديون للدين الذين حجَّموا هذا الإنفاق إلى أقل قدرٍ ممكن فجعلوه بمقدارٍ ليس بمقدوره أن يتسبب في جعل المُنفِق يحزن ويألم! فلكأن هذه المقاربة الفاشلة لمئات الآيات الكريمة التي حرَّضت وحضَّت على الإنفاق وإخراج المال قد قام بها هؤلاء المفسِّرون التقليديون توهماً منهم أن فيها ما لا يُنفِّر النفس من هكذا إنفاق وهي التي جُبلَت على الشُّح والبُخل والتقتير! إن الناظر إلى واقع حال أمة الإسلام من مشارق الأرض إلى مغاربها ليس له إلا أن يعجب كيف استشرى الفقر فيها وهي التي كان ينبغي أن تكون الأمة النموذج التي لا فقرَ فيها على الإطلاق طالما كان كتاب هذه الأمة هو هذا القرآن الذي جاء فيه من آيات الإنفاق وإخراج المال ما لم يأتِ به كتابٌ إلهي آخر! وهذا التناقض بين نصوص القرآن العظيم وواقع حال الأمة لَيُذكِّر بما صح عن حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قاله بهذا الشأن: “إن الله فرض على الأغنياء ما يكفي الفقراء”. فمادام هناك في الأمة فقراء، فإن هذا دليل على أن أغنياءها قد بخلوا ولم يأتمروا بما أمرهم به قرآن الله العظيم. وهذا دليل على أن التفسير التقليدي للقرآن العظيم، بتحجيمه الإنفاق وإخراج المال إلى أدنى حد اتُّفِق عليه بهذا الفهم الخاطئ للزكاة، لم يكن موفَّقاً على الإطلاق. فكيف يكون هناك فقراء في الأمة وهذا القرآن يكاد يفيض بآياته التي تأمر وتحض وتحرِّض على الإنفاق وإخراج المال؟! ويخطئ من يريد أن يحمِّل مسؤولية الفقر في الأمة على حكوماتها. فكما أن حكومات الأمة ليس لها أن تتدخل في نوعية الطعام الذي يتوجَّب على أفرادها أن يأكلوه، فكذلك لا ينبغي أن تُحمَّل هذه الحكومات وزر فقر فقرائها طالما كان الأمر منوطاً بأفراد الأمة كلهم جميعاً يُعين غنيُّهم فقيرهم! فالإسلام جاء مخاطباً الفرد قبل الأمة وقبل الحكومة. والفرد هو الذي يتعيَّن عليه ألا يكون بخيلاً حتى لا يكون هناك مَن تسبَّب بخله في فقره؛ فالفقراء ما افتقروا إلا لبخل الأغنياء كما علَّمنا حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. إلا أن هذا ليس بالأمر المستغرب طالما لم تكن المقاربة التقليدية للدين قد اقتصرت على هذا الفهم الخاطئ لآيات القرآن العظيم التي أوجبت على أفراد الأمة إخراج المال وإنفاقه فحسب. فيكفينا أن نتذكر أن هذه المقاربة التقليدية قد نجم عنها ما جعل الواحد منا يتوهم أنه قد حسُن إسلامه بهذا النزر اليسير من العبادات ذكراً لله وتسبيحاً بحمده وصلاة على حبيبه صلى الله تعالى عليه وسلم! فالمقاربة التقليدية للدين قد تمخَّض عنها ما جعل الواحد منا يظن ويتوهم أنه ما خُلق إلا ليعيش هذه الحياة الدنيا طولاً وعرضاً طالما لم تكن الآخرة إلا خيال مآتة يُخوَّف به ليس إلا.
