بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

تقدم التكنولوجيا المعاصرة ما ليس باليسير إحصاؤه من الأدلة والبراهين على أننا نعيش عصر العولمة، حيث لم يعد بالإمكان الانزواء بعيداً عن أجواء هذا العصر المتسارعة أحداثه، والمتغلغلة في تفاصيل حياة أهله حتى ما عادت هناك من خصوصية تُميِّز الفرد أو الجماعة كائناً ما كانت تفاصيلها. ويتخوَّف الكثيرون من هذه العولمة التي فاجأت الكل على حين غرة، وذلك لما يرون فيها من خطر داهم يتهدد ما استقرت عليه المجتمعات وتواضعت. إلا أن الأمر كله منوط بقدرة الفرد، أو الجماعة، على التعامل مع عصر العولمة هذا وبما يضمن الاستفادة من الفرص التي يقدِّمها وبما يتكفل بضمان ألا تعود علينا هذه العولمة بما يضر ولا ينفع. ولن يتأتى لنا أن نُحسن التعامل مع عصر العولمة هذا، إلا بأن ندرك ما انطوى عليه من قدرية تحتِّم وجوب الإقرار بأن لا مفر هناك من القبول به قدراً إلهياً. ويأتي من بعد هذا الإقرار ما ينبغي علينا أن نتخذه من قرار بشأن الكيفية التي سيتوجب علينا أن نقارب هذا العصر بها. وهذه مهمة لن يُكتب لنا أن ننجزها على أتم وجه إلا من بعد أن نوقن بأن السبيل الوحيد لنكون رواد هذا العصر هو بأن نعي ما يوفره من فرص غير مسبوقة لنمارس دورنا القيادي في إرشاد بني آدم هذا الزمان إلى سبيل الرشاد الذي تشرَّفنا بالاهتداء إليه بسببٍ من انتمائنا إلى أمة القرآن العظيم. فهذا القرآن لم يتوجه به الله تعالى إلى قومٍ دون آخرين، وإلى زمانٍ بعينه، وذلك طالما كانت رسالته الإلهية موجهة إلى الناس كافة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (28 سبأ)، (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) (من 19 الأنعام)، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين) (107 الأنبياء)، (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) (من 158 الأعراف)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ) (من 170 الأنعام)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) (174 الأنعام)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين) (57 يونس)، (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (108 يونس)، (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (49 الحج).

إذاً فهذا العصر يطالبنا بأن نعمل جاهدين لنكون خير أمةٍ أخرجت للناس، وذلك بأن يكون حالنا مع الله تعالى هو كما وصفته الآيتان 104 (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون) و110 من آل عمران (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).
وبذلك تصبح العولمة وسيلتنا لنحقق بها قدَرنا الذي خُلقنا مؤهَّلين ليجعل منا هداة الناس إلى رب الناس.
