بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
قد يظن الواحد منا أنه ما أن يرى سبيل الرشد حتى يتخذه سبيلاً، وأنه ما أن يرى سبيل الغي حتى يُعرض عنه فلا يتخذه سبيلا. وهذا أبعد ما يكون عن واقع الأمور وحقيقتها. فسبيل الرشد يحول بينك وبين أن تتبعه ما حددته الآية الكريمة 146 الأعراف، والتي بيَّنت أيضاً أن إخفاقك في اتِّباع سبيل الرشد لابد وأن يعود عليك بما يجعل منك ملزماً باتباع سبيل الغي. لنتدبر هذه الآية الكريمة (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ).
إذاً فالمحدِّد الرئيس الذي يتحكم باتِّباعك سبيل الرشد أو سبيل الغي هو ما سيكون عليه رد فعلك تجاه آيات الله من معجزاتٍ وكرامات وغيرها من خوارق العادات التي ما أذن الله بأن تُجترح إلا ابتلاء منه تعالى واختباراً لعباده. فيُخطئ من يظن أن المعجزةَ قادرةٌ، بقوتها الإعجازية، على إلزام مَن يشهدها بأن يؤمن بما جاءت المعجزة لتشهد له. فالله تعالى ينبؤنا في هذه الآية الكريمة بأنه يتدخل تدخلاً مباشراً فيحول تدخله الإلهي هذا دون أن يؤمن الواحد منا بـ “ما وراء المعجزة” من إنباء، وذلك إذا ما كان من المتكبرين في الأرض من الذين تسلَّطت عليهم أنفسهم وتغلَّب عليهم هواها فجعلهم ذلك يُشكِّكون في المعجزة والكرامة والظاهرة الخارقة بتعلَّة أن هناك تفسيراً لا يمت لعالَم الغيب بِصلة، بالإمكان الرجوع إليه فيفارق ما صاحبَ هذه الظواهر من إعجاز!
وهكذا يتبيَّن لنا أن البوابة التي لها أن تُدخلك عالم الحقيقة، فتشرع من بعدُ بالسير على سبيل الرشد، هي بوابة المعجزات والكرامات وخوارق العادات. فإن أنت أقررتَ بأن الله تعالى قادرٌ على أن يخرق قوانين هذا الوجود أنى شاء، فستُمكَّن من الولوج عبر هذه البوابة، وإلا فإن الله تعالى سيحول بنفسه دون أن يكون بمقدورك أن تلج عبرها إلى غير سبيل الغي.

نبه الحق سبحانه الى هذه الخاصة في مطلع سورة البقرة ،حيث قال تعالى بعد اعوذ بالله من الشيطان الرجيم:” ذلك الكتاب لا ريب،فيه هدىً للمتقين ،(الذين يؤمنون بالغيب).
فالأساس الذي بناء عليه،تفتح به البصيرة،وتزول الحجب،ويصبح للشخص نور يهتدي به،هو الإيمان الخالص بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين،فإن شاب هذا الإيمان بعض الغبش من الشك والتردد ،ينشأ ضباب فيعتم الرؤية،تتذبذب الإرادة،ويحدث التشويش،والله اعلم
إعجابإعجاب