بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
طالما ظن كثيرٌ منا أننا قد خُلقنا “خِلقةً استثنائية” تميَّزت بمزاوجةٍ بين جسدٍ وروح تمازجا وفقاً لتركيبةٍ إلهية حتَّمت أن لا يكون لهذا الجسد قدرةٌ على أن يحيا إلا بهذه الروح التي نفخت فيه الحياة لحظةَ أن نفخها الله تعالى فيه فأحياه من بعد موات. ويستند من يذهب هذا المذهب، في ثنائية الجسد -الروح، إلى مقاربةٍ غير موفقة لما جاء به القرآن العظيم من آياتٍ كريمة ذات صلة. ولعل استذكار هذه الآيات الكريمة أن يكون فيه ما يصلح أن يقدم الدليل على أن ما ذهب إليه هؤلاء فيه من التفلسف ما لا ينبغي أن يتم الجنوح إليه إذا ما كانت النية خالصةً حقاً لوجه تدبُّر هذا القرآن دون تنطُّع أو تعسُّف لا مبرر لهما. لنتدبر هذه الآيات الكريمة التي طالما استند إليها مَن توهم الإنسان جسداً خسيساً وروحاً من عند الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (27 -29 الحجر)، (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (71 -72 الزمر)، (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِين. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) (7 -9 السجدة).
تعتمد المقاربة التقليدية لهذه الآيات الكريمة على فهمٍ للروح شذ به مقاربوه عن معناه الحقيقي والذي هو لا علاقة له بما ظُنَّ أنه قبس من الروح الإلهية أحيا به اللهُ تعالى جسد الإنسان فصيَّره حياً من بعد موات. فالمعنى الحقيقي لكلمة الروح هو الأمر الوارد في آياتٍ كريمة أنبأنا فيها القرآن العظيم بما بمقدور الله تعالى القيام به بتدخُّلٍ إلهي مباشر من لدنه اصطُلح عليه بـ “كن فيكون”: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (117 البقرة)، (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (47 آل عمران)، (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (40 النحل)، (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (35 مريم)، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (82 يس)، (هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (68 غافر).
إذاً فنفخُ الله تعالى من روحه في آدم هو ما تسبب به تدخله الإلهي من ارتقاءٍ ما كان ليحدث لولا نفخة “كن فيكون” هذه. وهذه النفخة هي التي ارتقت بآدم من ماضٍ غير آدمي إلى ما أصبح بسببٍ منه مؤهلاً ليكون خليفةً في الأرض. وهذه النفخة بعدُ هي ما يمثِّل “القفزة التطورية” التي ما زال علماء البايولوجيا التطورية حتى يومنا هذا عاجزين عن أن يفقهوا الكيفية التي حدثت بموجبها. ثم أن نفخة “كن فيكون” هذه هي ما يؤكِّد ما ذهبتُ إليه في منشوراتٍ سابقة من أن التطور البايولوجي هو في حقيقته “تطوير إلهي” للبُنية البايولوجية.
ونفخة “كن فيكون” التي ظهر بموجبها آدم إلى الوجود هي عينها نفخة “كن فيكون” التي لولاها لما ظهر سيدنا عيسى عليه السلام إلى الوجود، وذلك مصداق قوله تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (59 آل عمران). فقد أنبأنا القرآن العظيم أن سيدنا عيسى عليه السلام ما كان له أن يجيء إلى الوجود لولا أن الله تعالى نفخ في السيدة مريم عليها السلام من روحه بهذه النفخة الإلهية التي نطقت بـ “كن فيكون”: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) (91 الأنبياء)، (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (12 التحريم).
إذاً فلا موجب هنالك لافتراض هذه الثنائية المادية -الروحية، وذلك طالما كان الأمر لا يستدعي غيرَ تدبُّر ما تقدَّم من آياتٍ كريمة يبيِّن تدبُّرها أن نفخ الله تعالى من روحه في آدم لم يكن في حقيقته إلا أمره تعالى الذي حملته كلمة “كن”. وبذلك يتبيَّن لنا أن آدم لم يكن فيه من روح الله تعالى شيء، وذلك طالما كان الأمر لا يعدو أن يكون نفخةَ “كن فيكون”.
