بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ذكرتُ في منشوراتٍ عدة أن دين الله تعالى فرض على عقل الإنسان ما ينبغي أن يكون عليه هذا العقل في حضرة هذا الدين. فعقل الإنسان لم يُخلق ليكون له رأي، ولا أن تكون له الخيرة، في ما جاءنا به الدين الإلهي. فحلالُ الله حلالٌ وكفى، وحرامُ الله حرامٌ وكفى. والأمر ليس لنا حتى نفرض على الوجود ما ينبغي أن يكون عليه، أو حتى نفرض على رب هذا الوجود ما ينبغي أن يكون عليه. فاللهُ أكبرُ من أية فكرةٍ لنا عنه، وسبحان الله عما يصفون.
وسوف أتحدث في هذا المنشور عن أمرٍ ذي صلةٍ بما تقدَّم أعلاه. فالخلقُ من عدم، أو من اللاشيء، هو واحدٌ من الأمثلة التي بالإمكان إيرادها للتدليل على هذا الذي يميِّز تفكير كثير منا، وهم يظنون أن هذا “الخلق من عدم” هو مما يستدعيه وجوب الإيمان بالله تعالى. ولقد فات هؤلاء أن في هذا الظن منهم مخالفةً لما جاءنا به قرآن الله العظيم، وذلك لأن هذا القرآن لم يذكر على الإطلاق أن الله تعالى خلق السموات والأرض، أو خلق أياً من مخلوقاته، من اللاشيء أو من العدم!
فالله تعالى ذكر في قرآنه العظيم أنه خلق السموات والأرض وما بينهما، ولم يُشِر إلى العدم أو اللاشيء في سياق الحديث عن هذا الخلق (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُون) (1 الأنعام). بل أن الله تعالى يذكر في قرآنه العظيم أن السماء كانت دخاناً خلق منه سبع سموات (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (11 -12 فصلت). واللهُ تعالى خلق الكائنات البايولوجية كلها جميعاً من الماء (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) (من 45 النور)، (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُون) (من 30 الأنبياء)، وخلق الجان من قبل من نار السَّموم (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) (27 الحجر).
ونحن إذا ما أردنا أن نتفهَّم المنطق الذي استند إليه القائلون بالخلق من اللاشي، أو بالخلق من العدم، فإن هذا ليس بالأمر العسير إذا ما نحن أدركنا أنهم إذا لم يقولوا بهذا الخلق، فإنهم مضطرون، كما يظنون ويتوهمون، إلى القول بأزلية المادة ومشاركتها اللهَ تعالى الوجود منذ القدم والأزل! ولقد فات هؤلاء أن هذا “التخريج المنطقي” قد جعلهم يخالفون القرآن العظيم مرةً أخرى، وذلك لأننا لسنا بمضطرين على الإطلاق إلى القول بقِدَم المادة وأزليتها طالما جاءنا هذا القرآن بما يمكِّننا من فقه الكيفية التي خلق اللهُ تعالى بموجبها مادة السموات والأرض (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِين) (16 -17 الأنبياء). إذاً فالله خلق السموات والأرض من لدنه تعالى وليس من اللاشيء أو من العدم.
