بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
كل من يقول لك إنه درويش هو في حقيقة الأمر ليس بدرويش! فالدرويش هو من انتهى به تدبُّره قرآن الله العظيم إلى إيقانه بأن البون جد شاسع بين ما هو عليه من سيء حالٍ مع الله تعالى وبين ما يريده الله تعالى أن يكون عليه. ولذلك تراه يجتهد ما استطاع ليكون على طريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذلك بأن تجعله أقواله وأعماله وأحواله من أولي الألباب الذين أيقنوا ألا خلاص من الشقاء في هذه الحياة الدنيا، ومن العذاب يوم القيامة، إلا بأن يكون العبد من عباد الرحمن الذين لم تفلح الدنيا في جرِّهم إلى مستنقعها الآسن يخوض فيه مع الخائضين ممن نسوا يوم الحساب.
والدرويش بهذا التوصيف هو من لا تغيب عنه جهنم التي لن يُزحزَح عنها، ويُدخَل الجنة، إلا من فاز بعبادةٍ لله تعالى تُحرره من العبودية لهواه. ولذلك كان الدرويش عملةً نادرةً ليس باليسير الوقوع عليها في عالمٍ يتنافس أهله على الجري بأقصى سرعة ابتعاداً عن طريق الجنة الذي حُفَّ بكل ما تكرهه النفس وتعافه.
وهكذا يتبين لنا أن الغالبية العظمى ممن يزعم الواحد منهم أنه من الدراويش، هم ليسوا كذلك. فليس بدرويش من استولت عليه نفسه وغلبه هواه فسار بين الناس متباهياً بهذا الذي هو عليه من “ولايةٍ” أسبغها هو على نفسه حتى صدَّق أنه قد أصبح واحداً من أولياء الله الصالحين، وما درى أنه بهذه العبودية منه لغير الله تعالى، بتعبُّده لهواه، وبانصياعه لما تأمره به نفسه، قد انتمى إلى حزب الشيطان الرجيم لعنه الله، وذلك لأنه لم يمتثل لما أمرنا به قرآن الله العظيم بوجوب ألا نتَّبع خطوات الشيطان (لعنه الله).
إذاً فالدرويش هو كل من ناصب نفسه العداء وسار على طريق الله تعالى مقتفياً خطى الصالحين بالجد والاجتهاد على هذا الطريق الذي ليس باليسير على النفس، على الإطلاق، التقيُّد بضوابطه المحمدية ومحدِّداته القرآنية. ولذلك كان الدراويش ثلةً من بني آدم ليس باليسير أن تقع على واحدٍ منهم. فالدرويش لسان حاله هو ما كان لا ينفك يردده سيدنا النفري رضي الله تعالى عنه صباح مساء: “ربي الناظرُ إلي فكيف أنظرُ إلى سواه”. فالدرويش إذ لا ينظر إلا إلى الله تعالى، فإنه لا ينظر إلى نفسه، ولا إلى سواه من الناس، ولا إلى ما بين أيديهم من متاع هذه الحياة الدنيا.
