آدم خليفةٌ في الأرض

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

إني جاعللماذا لا ينبغي القبول بالتفسير التقليدي للآية 30 من سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)؟ فهذا التفسير يصر على أن الخليفة المقصود في هذه الآية الكريمة هو آدم وبنوه إلى يوم القيامة. والعلة من وراء وجوب عدم القبول بهذا التفسير يؤسس لها أنه لو كان هذا هو حقاً مقصود هذه الآية الكريمة، فإن كلمة “خليفة” كان ينبغي الاستعاضة عنها بكلمة “خلفاء”. فلقد وردت هذه الكلمة في القرآن العظيم بهذه الصيغة (خلفاء) ثلاث مرات، وذلك في الآيات الكريمة: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) (69 الأعراف)، (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ) (من 74 الأعراف)، (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ) (من 62 النمل).

كما ووردت هذه الكلمة (خلفاء) بصيغة تختلف عنها في المبنى وتتطابق معها في المعنى هي “خلائف”، وذلك في الآيات الكريمة: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ. ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (13 -14 يونس)، (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) (73 يونس)، (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ) (من 39 فاطر)، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ) (من 165 الأنعام).

يتبين لنا بتدبُّر ما تقدَّم من آياتٍ كريمة أن “خلفاء” و”خلائف” جاءت في القرآن العظيم بمعنى: “من استخلفهم الله تعالى من بعد إبادة أو زوال مَن سبقهم”. وهذا المعنى لكلمة “خلفاء” ولكلمة “خلائف” يلقي الضوء على كلمة “خليفة” فيُمكِّننا بالتالي من تحديد معناها على أنه: “من يستخلفه الله تعالى من بعد إهلاك عدوه أو قومه”.

أعود مرة أخرى إلى الآية الكريمة 30 من سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). فلو كان المقصود بالخليفة هو عموم الجماعة الإنسانية، كما يزعم مَن ذهب في تفسيرها مذهب مَن لا يريد أن يتقيد بحرفية النص القرآني الكريم، أما كان يتوجب على الملائكة الكرام أن يقولوا “مَن يفسدون فيها ويسفكون الدماء”؟!

إن الإصرار على تقويل هذه الآية الكريمة ما يريد المتشبِّثون بتعميم “الخليفة” لتشمل عموم الجنس البشري سيجعلنا نقع في محظوراتٍ لا منجى منها طالما كانت ستفضي بنا إلى توهُّم ما ليس له وجود، والإعراض بالتالي عن الحقيقة التي بوسعنا أن نقع عليها بكل بساطة إذا ما نحن لزمنا صريح النص القرآني الكريم ولم نحد عنه إلى تأويلاتٍ افترضناها، وذلك لتوافقها مع ظنوننا وأوهامنا!

إن الآية الكريمة 30 من سورة البقرة واضحة الدلالة على أن المقصود بـ “الخليفة” فيها لا يمكن أن يكون غير سيدنا آدم عليه السلام الذي اصطفاه الله تعالى من بين قومه فاستخلفه من بعد أن أبادهم وقضى عليهم قضاءً مبرماً بسببٍ من إفسادهم في الأرض وسفكهم الدماء. واصطفاء سيدنا آدم عليه السلام، واختياره من بين قومه الذين أُبيدوا عن بكرة أبيهم، حقيقةٌ عرَّفنا بها القرآن العظيم وذلك في الآية الكريمة (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) (33 آل عمران).

إذاً فسيدنا آدم عليه السلام هو الخليفة  المصطفى، وكل قولٍ بخلاف هذا الاستخلاف المخصوص به سيدنا آدم عليه السلام، هو تأويلٌ لا دليل قرآنياً عليه.

أضف تعليق