بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
استفاض القرآن العظيم في الحديث عن سيدنا موسى فذكر ما كان من أمره عليه السلام مع ربِّه عز وجل، وذلك منذ أن كان طفلاً رضيعاً. وقد ذكر القرآن العظيم كيف أنه عليه السلام كان محل عناية الله تعالى، إذ تعهدته الرعاية الإلهية كل لحظة من لحظات نموه (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين) (14 القصص)، وكان هذا من بعد أن دبَّر اللهُ تعالى أمر بقائه عند أمه تدبيراً عجائبياً فصَّلته الآيات الكريمة (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِين. فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ. وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُون. فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين) (7 -13 القصص).
وهذا التدخل الإلهي العجائبي المباشر في حياة سيدنا موسى عليه السلام هو لا أقل من صناعةٍ أتقنتها يدُ الله وأعينه. فسيدنا موسى عليه السلام صُنع بمعنى الكلمة بتدخل الله تعالى بشكل مباشر في حياته، وهذا ما فصَّلته وبيَّنته الآيتان 38 -39 طه
(إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى. أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي).
فالله تعالى تعهَّد نبيَّه موسى عليه السلام بالحفظ والرعاية، وتدخَّل في كل مفردةٍ من مفردات نموِّه طفلاً ويافعاً حتى أضحى رجلاً، فكانت حياة سيدنا موسى عليه السلام صنيعةَ الله تعالى من بعد مِحنٍ وابتلاءات وفَتنٍ ليخرج منها عليه السلام مؤهلاً ليكون كليم الله تعالى الذي اختصه برسالاته وبكلامه واصطنعه لنفسه عز وجل (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) (40 -41 طه). وهذا فضلٌ من الله تعالى عظيمٌ بيَّنته وفصَّلته الآية الكريمة 144 الأعراف (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِين).
إن تدخُّل الله تعالى في تنشأة سيدنا موسى أوجبه ما كان مقدَّراً له عليه السلام أن يكونه كليم الله ومخاطِبه، فكان لزاماً عليه أن يُصنع على عين الله بهذا التدخل من لدن الله، والذي جعل من سيدنا موسى عليه السلام صنيعة الله بحق.
