بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لم يتدبَّر القرآن العظيم حقَّق تدبُّره مَن قرأه ولم يتبيَّن له كونه كتاب إنذارٍ وتحذيرٍ من جهنم وعذاب نارها الأبدي. فالقرآن العظيم ما كان له إلا أن يشتمل على هذا التحذير من جهنم طالما كانت ساعة الآخرة آتيةً لا ريب فيها (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) (59 غافر)، (َأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (7 الحج).
ولأن جهنمَ حقيقةٌ لا مراء فيها، كان لزاماً على قرآن الله العظيم أن تكون رسالته الإلهية قائمةً على أساسٍ من تحذير الإنسان منها. وهذا عندي دليلٌ قاطعٌ بإلهية هذا القرآن الذي لا تكاد تخلو صفحةٌ من صفحاته الشريفة من ذكرٍ ليوم القيامة، بالتصريح أو بالتلميح. ويخطئ كل من يتوهم الإسلام دين دنيا لا دينَ آخرة. فاللهُ تعالى ما خلقنا إلا لنعبده، واللهُ تعالى أرادنا بهذه العبادة له وحده أن يكون لنا حظٌ في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة فلا نشقى فيهما طالما التزمنا بما انطوت عليه هذه العبادة من منهاجٍ رباني يتعهد النفسَ بالإصلاح الذي إن لم تستقم وتنضبط وفق محدِّداته وضوابطه، فلا انعتاق لصاحبها من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة.
وهكذا يتبيَّن لمتدبِّر القرآن العظيم أن اللهَ تعالى، الذي توعَّد الإنسان بالشقاء في هذه الدنيا وبالعذاب المقيم في الآخرة إن هو لم يستقم على الطريقة فينتهج الصراط المستقيم ديناً قِيَماً، ما كان ليجعل قرآنه العظيم إلا كتاباً الآخرةُ هي مركز دائرة آياته الكريمة. وكل مقاربةٍ لدين الله تعالى تخفق في الانطلاق من كون الآخرة هي مركز دائرة هذا الدين، لن تصل بصاحبها إلى الوقوع على حقيقته التي لن تمكِّن منها مَن استدرجته الدنيا فضلَّ في متاهات زينتها وزخرفها وبهرجها فكان حقيقاً عليه أن يبقى في الظلمات ليس بخارجٍ منها.
إذاً فلنحرص على أن نتدبَّر القرآن العظيم بعينٍ تنظر إلى آياته الكريمة فتراها تدعونا إلى أن نلزم الحذر من جهنم، التي وإن غابَ عن هذه العين جرمها، فإن لافحَ نارها ليس بغائبٍ عمَّن انشغل عقله بتذكُّرها.
