بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يبالغ الإنسان في تعظيم خِلقته وتقدير جِبلته بغير الحق، فيظن أنه المخلوق الأسمى من بين مخلوقات الله تعالى كلها جميعاً! ولقد جاءنا القرآن العظيم بما يخالف ظن الإنسان الواهم هذا. فالسماء أشدُّ خلقاً من الإنسان وكذلك هي الأرض (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا. وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا. أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا. وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا. مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) (27 -33 النازعات)، وهذا هو عين ما أكَّدته وشدَّدت عليه الآية الكريمة 57 من سورة غافر (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
ثم أن الله تعالى كان قد خلق الملائكة الكرام عليهم السلام وخلق الجن، وذلك قبل أن يخلق الإنسان بزمانٍ لا يعلم أمده على وجه التحديد إلاه تعالى. وخِلقة الإنسان قد أنبأنا القرآن العظيم أنها ليست كما يظن هذا الإنسان ويتوهم، وذلك لأن الملائكة والجن أشدُّ خلقاً منه (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ) (11 الصافات). فخلقة الإنسان الطينية هذه كان لها أن تفرض عليه حدوداً لا قدرةَ له على تجاوزها، وذلك بالمقارنة مع “الحرية النسبية” التي قُدِّر للملائكة والجن أن يتمايزوا بها عنه. ولقد جاءنا قرآن الله العظيم بنبأ يقين بهذا الخصوص إذ أنبأتنا الآية الكريمة 27 من سورة الأعراف بأن الشيطان الرجيم وقبيله من شياطين الجن بمقدورهم أن يروا البشر العاجزين بدورهم عن رؤيتهم (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُون).
والشيطان الرجيم، كما يُعلِّمنا القرآن العظيم، يرى ما لا يراه الإنسان (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (48 الأنفال). فما الذي كان بمقدور الشيطان الرجيم أن يراه في الوقت الذي عجز الكفار عن رؤيته؟
تجيبنا سورة الأنفال على هذا السؤال وذلك بما جاء في الآية الكريمة 9 والآية الكريمة 12 منها (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ)، (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ). ففي الوقت الذي كان الشيطان الرجيم ينظر إلى ساحة المعركة فيرى ملائكة الله الكرام تحيط بها من كل جانب، كان الكفار في غفلةٍ عما كان ينتظرهم من وبيل العذاب. ولذلك فلقد أتبع الشيطان الرجيم مقالته (إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْن) بقوله (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ). فالشيطان الرجيم أدرى بما يعنيه هذا التواجد الملائكي المكثَّف، وما يلزم عنه من تحجيمٍ له فلا يستطيع أن يمدَّ للكفار يد العون التي كان قد وعدهم بها، والملائكة الكرام محيطون بهم من كل جانب. فلو أن الشيطان الرجيم (لعنه الله) أرادَ أن يُعين أولياءه من الكفار لمسَّه من ملائكة الله الكرام عليهم السلام عذابٌ أليم. وهذا هو ما جعله يقول إنه يخاف الله والله شديد العقاب.
