
لله تعالى مطلق الحرية في التصرف بمفردات اللغة القرآنية؛ فهو إن شاء وظَّف مفردةً وإن شاء وظَّف أخرى، والأمر له كله وليس لنا من الأمر شيء حتى نفرض على اللغة الإلهية التي كُتب بها القرآن العظيم ما نظن ونتوهم أنها القواعد والأحكام التي لابد وأن تتنزَّل هذه اللغة بها! ولذلك فإن التوظيف الإلهي لهذه المفردات اللغوية التي تنزَّل بها قرآن الله العظيم ليس له أن يخضع لما نرتأيه فلا تجيء هذه المفردات إلا وفق ما تقضي به ذائقتنا اللغوية وما قيَّدناها به من صيغ وأساليب! فلقد جاءت لغة القرآن العظيم بمفردات تطابقت في المعنى واختلفت في المبنى دون أن يكون في هذا المجيء ما يعزز من تصوراتنا وظنوننا بأن هذه المفردة إن هي اختلفت عن مرادفاتها في المبنى اللغوي فإن في هذا الاختلاف ما ينبغي أن يجعل منا نتوهم أن هناك اختلافاً قائماً بينها بالضرورة في المعنى!
وفي هذا المنشور سوف أتحدث عن ثلاثة من المترادفات القرآنية التي لا اختلاف على الإطلاق في معناها اللغوي وإن اختلفت في مبناها. وهذه المفردات هي: “منا” و”من عندنا” و”من لدنا”. لنتدبر الآيات الكريمة الثلاثة التالية: (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (43 ص)، (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (84 الأنبياء)، (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) (65 الكهف).
تقدم هذه الآيات الكريمة مثالاً واضحاً يبيِّن تدبُّره أن التباين في المبنى اللغوي القرآني لا ينبغي على الإطلاق أن يُؤوَّل فيُظَن أنه يقود بالضرورة إلى اختلافٍ في المعنى.
لقد حان الوقت لكي نحرر مقاربتنا للنص القرآني المقدس من أية افتراضات تُمليها علينا تصوراتنا غير الصائبة لما “ينبغي” ولما “لا ينبغي” أن يكون عليه معنى هذا النص، وذلك على قدر تعلُّق الأمر بلغة هذا القرآن العظيم التي عظَّمها الله تعالى فجعلها أبيةً على التقيُّد بما نظن ونتوهَّم.
