
لولا ما جاءنا به قرآن الله العظيم من أنباء الغيب وعالمه المتواري عن أنظارنا ما كان لنا أن نعلم أن الله تعالى محيطٌ بكل شيء: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) (126 النساء)، (ألا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) (من 54 فصلت). والإحاطةُ الإلهية هذه بكل شيء تُنبؤنا بأن الله تعالى هو الأقرب إلى كل شيء من أي شيء، وهذه حقيقةٌ أخرى من حقائق الوجود جاءنا بنبئها قرآن الله العظيم: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (16 ق)، (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ) (83 -85 الواقعة).
والله تعالى أقرب إلى كل شيء من أي شيء وذلك لأن هذا التواجد الإلهي المحيط بأشياء الوجود هو المتكفل بجعلها يكون لها وجود. ولولا أن الله تعالى أقرب إلى كل شيء من أي شيء لما كان لشيء في هذا الوجود أن يكون له وجود؛ فما أن يمن الله تعالى على شيء بالوجود حتى يكون لهذا الشيء وجود يجعله متواجداً في خضم هذا الوجود مع ما سبقه من موجوداتٍ سبق وأن منَّ الله تعالى عليها بنعمة الوجود فأصبح الكل متواجداً في الوجود بفضلٍ من الله ونعمة (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (50 طه).
وهذا هو ما يُبيِّنه لنا تدبُّر الآيتين الكريمتين التاليتين: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (41 فاطر)، (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ) (من 65 الحج).
