معنى التوكل على الله

يزخر القرآن العظيم بآيات كريمة تحض على التوكل على الله (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين) (من 159 آل عمران)، (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) (من 81 النساء)، (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (من 49 الأنفال). ولقد حرص القرآن العظيم على تبيان ما للمتوكلين من حظوةٍ عند الله تعالى، وذلك في عدد غير قليل من آياته الكريمة (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (من 3 الطلاق)، (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (من 11 إبراهيم). فما الذي يعنيه التوكل على الله؟

كنت قد تحدثتُ في منشوراتٍ سابقة عن أن لله نمطَي تدخُّلٍ في أحداث هذا الوجود: مباشر وآخر غير مباشر. فتدخل الله تعالى المباشر في أحداث هذا الوجود يكون وفق ما أشار إليه قرآنه العظيم بأنه “كن فيكون” (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (117 البقرة). وأما تدخل الله غير المباشر في أحداث الوجود فيكون من وراء حجابٍ من أسبابٍ خلقها تعالى وسلَّطها على هذا الوجود، وذلك حتى يكون لوقائعه وأحداثه أن تحدث بتجلٍّ لإسمين من أسماء الله الحسنى هما: “اللطيف” و”الباطن”، وذلك مقارنةً بوقائع وأحداث “كن فيكون” التي تحدث بتجلٍّ لاسمه تعالى “الظاهر”.

وبذلك يكون التوكل على الله هو إيكال المتوكل أمره إلى الله تعالى إيكالاً يجعله يفوِّض هذا الأمر إلى مَن إن شاء أمضى أسبابه فكان أمره بيد تلك الأسباب التي خلقها الله تعالى وسلَّطها على الوجود، وإن شاء تكفَّل بهذا الأمر تكفلاً من لدنه وذلك بتدخلٍ إلهي وفقما تقضي به إرادته إذا ما هو أراد شيئاً فقال له “كن فيكون”. فالمتوكل على الله لا يدري ماذا سيكون من أمره مع الله: هل يتدخل الله بفرجٍ من عنده قوامه قوله للشيء “كن فيكون”، أم يوكل أمرَه إلى أسبابه التي خلقها فسلَّطها على الوجود.

أضف تعليق