
انتهيتُ في منشورٍ سابق إلى أن الصراط المستقيم هو ملَّةُ إبراهيم التي أنزلها اللهُ فجعلها شِرعةً ومنهاجاً لكلِّ مَن أرادَ أن يُسلِم وجهَه لله فيكون بذلك عند الله من المحسنين الذين سبقت لهم من الله الحسنى في هذه الحياة الدنيا والذين وعدَهم الله بأن لهم في الآخرة زيادة (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون) (26 يونس).
ونحن إذا ما تدبَّرنا ما كان من أمر مَن ضلَّ من أممٍ سبقت إلى جهنم فلن يكون بالعسير علينا أن نتبيَّن أن هذا الذي سيُخلِّدهم في نارها هو لا شيء غير اتِّباع الهوى الذي لن ينتهي بمن استرشد به واستهدى إلا إلى السير على خطى الضالين من الأسلاف آباءً وأجدادَ أقدمين. فالأصل أن يلتزم العبد ما أنزل الله وليس ما يقول به هواه ولا ما يُضِله به أبواه (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون) (8 العنكبوت)، (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) (43 الفرقان).
ويخطئ كلُّ مَن يدعو الناسَ إلى “دينِه” ظناً منه وتوهماً أنه بذلك إنما يدعوهم إلى “دين الله”! فالدين ليس دينَك ولا ديني ولكنه دين الله، وإن نحنُ دعونا الناسَ إلى الدين فهذا ما ينبغي أن يكونَ عليه الأمر وليس خلاف ذلك. أنظر كيف دعا سيدنا يوسف عليه السلام صاحبَي سجنه إلى الله، فهو لم يدعُهم إلى اتِّباع آبائه إبراهيم وإسحق ويعقوب، ولكنه دعاهم إلى أن يفعلوا ما سبقهم هو إليه من اتِّباعٍ لملة آبائه إبراهيم وإسحق ويعقوب والفرق بيَّنٌ واضح: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُون) (38 يوسف).
