
حرَّر القرآن العظيم الإنسان من الجهالات والضلالات التي تسلَّطت على عقله منذ قديم الزمان فجعلته أسير خبالاتها مما عادَ عليه بما جعل منه عاجزاً عن فقه دنياه وبما يكفل له أن يعيشها حراً متحرراً من كل ما تسلَّط عليه بسببٍ من ظنونٍ وأوهامٍ واعتقادات ما أنزل اللهُ بها من سلطان. ومن هذه الاعتقادات المغلوطة ما شاعَ فينا من أن للشيطان سلطةً على الإنسان وسلطان لا فكاك له منهما! فيكفينا أن نستذكر ما يحفل به تاريخ الفكر الإنساني من هكذا اعتقادٍ بقدرةٍ مطلقةٍ للشيطان على الإنسان حتى نتبيَّن عظيم فضل الله تعالى علينا إذ أنزلَ علينا قرآنَه العظيم الذي علَّمنا أن ليس هناك من قدرةٍ للشيطان علينا إلا بما مكنَّاه نحن منا (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (42 الحجر)، (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) (65 الإسراء). وهذا هو عينُ ما سيقر به الشيطان يوم القيامة (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) (من 22 إبراهيم).
فلولا عظيم فضل الله علينا، الذي تجلَّى أيما تجلٍّ بقرآنه العظيم الذي أنزله اللهُ علينا رحمةً منه بنا، لما كان لنا أن نعلم أن كيد الشيطان ضعيف فلا يحتاج منا حتى نتحصن منه إلا أن نستعيذ بالله منه (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (من 76 النساء)، (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (200 الأنفال)، (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (36 فصلت)، (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) (98 -100 النحل). إذاً فسلطان الشيطان على الإنسان قائمٌ بخضوع الإنسان لما يزيِّنه له الشيطان ويغويه به.
قارن هذا الذي جاءنا به قرآن الله العظيم بما وقر في أذهان مَن تصوَّر للشيطان سلطاناً على الإنسان ليس هو بقادرٍ على أن يتملَّص ويفلت منه!
