القراءة غير القرآنية لكلمة “إقرأ”!

يشوب الكثير من تفسيراتنا للقرآن العظيم ما يجعل منها مقارباتٍ تفتقر إلى تدبُّر آياتِه الكريمة وبما يجعل منا بالتالي نبتعد عن تلمُّس ما انطوت عليه من معنى كنا لنحيط به الإحاطةَ المثلى لو أننا لم نفرض تأويلاتنا على النص القرآني المقدس مفترضين بذلك أنها تفسيره الوحيد! ولقد فاقم الأمرَ سوءاً أننا افترضنا أن النص القرآني المقدس مقيَّد بقواعد اللغة العربية فلا قدرةَ له بالتالي على أن يتحرَّر مما تفرضه عليه وتُمليه من وجوب أن تجيء عباراتُه الجليلة متوافقةً مع مقتضيات وأحكام هذه القواعد فلا تحيد عنها البتَّة! ولقد فاتنا أن نستذكر أن اللهَ تعالى قدَّس قرآنَه العظيم فجعله متعالياً على أحكامنا اللغوية والمنطقية والفكرية فلا يلزم عن ذلك ضرورةَ أن يكون النص القرآني عاجزاً عن أن تجيء مفرداتُه متعارضةً مع ما حدَّدناه فجعلناه النمط اللغوي الحاكم والذي لا قدرةَ لنصوص القرآن المقدسة على التمرُّد عليه والتحرُّر من مقتضياته. وبذلك وقعنا على ما ظننّا أنه المعنى ونحن في حقيقة الأمر ما أحطنا إلا بتصوراتنا التي خُيِّل إلينا أنها هذا المعنى!

وسوف أسوق في هذا المنشور مثالاً على ما تسبَّب به إصرارُنا على مقاربة النص القرآني المقدس دون تدبُّرٍ في جعلنا نُخفق في تبيُّن معناه الحقيقي. فكلمة “إقرأ”، التي هي أول ما نزل من قرآن الله العظيم، قد بالغنا في تأويلها حتى أصبحنا نقول بأنها تنطوي على أمرٍ من الله تعالى لنا بأن نقرأ كل ما هو مكتوب من صحفٍ وكتب وغير ذلك! وبذلك فقد فاتنا أن ندرك أن المقصود بهذه الكلمة القرآنية الجليلة هو أمرٌ لا علاقة له بقراءة الكتب وغيرها من المكتوبات، وذلك طالما أن الله تعالى توجَّه إلى سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يكرِّر ما ردَّده على مسامعه سيدُنا جبريل عليه السلام. فالقراءة هنا تعني أن يقرأ سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من بعد سيدنا جبريل عليه السلام.

أنظر كيف غلونا وبالغنا في تحميل هذه الكلمة القرآنية الجليلة ما لم تنطوِ عليه من المعاني حتى ذهبنا بعيداً وإلى الحد الذي جعل منا نظن ونتوهم أنها أمرٌ لكل واحدٍ منا بأن يُكثر من القراءة التي أشاعَ فينا جمهور المفسرين، قدامى ومحدَثين، أنها تقدِّم الدليل والبرهان على أن دينَنا هو دين العلم القائم على التعلُّم والمبتدئ بهذه القراءة لكل ما هو مكتوب!

إن الأصلَ في تدبُّر القرآن العظيم هو بأن نلزم نصوصَه الإلهية المقدسة فلا نشذ عنها وننأى عما انطوت عليه من معانٍ ستغيب عنا حتماً إن نحن فرضنا عليها أن تأتي موافقةً لـ “أفكارنا المسبَقة”.

أضف تعليق