
تحدثتُ في منشوراتٍ سابقة عن بعضٍ مما هو مقدس، وبينتُ أن علة التقديس هي هذا الذي بالإمكان أن نُرجِعه إلى التعرُّض للنور الإلهي بتجلِّي الله تعالى لمخلوق ما فيجعله هذا التجلِّي الإلهي مقدساً. ولقد ورد في القرآن العظيم خبر بعضٍ من هذه المقدسات والتي تطرَّقتُ إليها سابقاً. فـ “روح القدس” و”الكأس المقدسة” و”الوادي المقدس” كلها جميعاً موجوداتٌ مادية قدَّسها اللهُ تعالى بتجلِّيه لها بنوره الإلهي فأصبحت من بعد تعرُّضها لهذا التجلِّي الإلهي مقدسة. وفي هذا المنشور سوف أتطرق إلى “الأرض المقدسة” والتي جاءنا القرآن العظيم بخبرها في الآية الكريمة 21 من سورة المائدة (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِين). فلماذا وصفَ القرآنُ العظيم هذه الأرض الوارد ذكرها في هذه الآية الكريمة بأنها مقدسة؟
يكفينا أن نستذكر أن هذه الأرض هي التي أشارت إليها سورة الإسراء في آيتها الكريمة الأولى بأنها “مباركة” (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). فاللهُ تعالى قدَّس المسجد الأقصى فأصبحت أرضُه مقدسة. ويكفينا أن نستذكر أيضاً أن مكة المكرَّمة قد كرَّم اللهُ تعالى أرضها كلها جميعاً بسببٍ من بيته الحرام فيها. فكلٌّ من المسجد الحرام والمسجد الأقصى قد قدَّسه الله تعالى بتجلِّيه الإلهي نوراً جعل من كلٍّ بقعةً ليست كباقي بقاع الأرض. وانسحب هذا التقديس الإلهي لهما على محيطَيهما فكانت “الأرض المقدسة” التي جاءتنا بخبرها الآية الكريمة 21 أعلاه من سورة المائدة.
