
تطرقتُ في منشوراتٍ سابقة إلى وجوب التفريق بين “الدين” و”التدين”، وذلك طالما كان الإنسان لا ينبغي أن يؤتمن على دين الله تعالى كما برهن على ذلك ما انتهى إليه أمرُ الكثير من رسالات الأنبياء عليهم السلام! فالدين الإلهي إبداعٌ رباني أبدعته يدُ القدرة الإلهية التي سبق لها وأن أبدعت السموات والأرض خلقاً لهما وإمساكاً بكل ما فيهما حتى لا تزولا قبل أن يجيء يوم الوقت المعلوم، يوم تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرضِ والسموات. ودينُ الله يشتمل على ما جاءنا به من عنده تعالى رسلُه الكرام. ولذلك فإن ما يتوجَّب على الإنسان القيام به بتديُّنه بهذا الدين مُحدَّدٌ بخطةٍ إلهيةٍ لا يملك حيالها إلا الالتزام الحرفي بحذافيرها فلا يُعمِل فيها عقلَه بالطرح أو الإضافة.
ولقد أنبأنا القرآنُ العظيم بما قام به البعضُ ممن سبقنا من متدينين من “ابتداعٍ” جاروا به على دين الله تعالى الذي كُتِب عليهم فما رعوه حقَّ رعايته بهذا الذي أحدثوه فيه من تغييرٍ طرحاً وإضافة (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (27 الحديد). فاللهُ تعالى كتب الرهبانيةَ على طائفةٍ ممَن سبقونا إلا أنهم “ابتدعوها” وذلك بإحداثهم فيها ما لم يأمر به الله.
ونحن، بهذا الحال الذي نحن عليه مع الله تعالى، لسنا لنختلف عمن سبقونا في شيء وذلك لأننا قمنا نحن أيضاً بجملةٍ من “الابتداعات” إذ لم نلتزم بما جاءنا به دينُ الله تعالى! ولو أننا لم نبتدع ما كتبَ اللهُ تعالى علينا، وذلك بإحداثنا فيه ما ليس بمشتمل ومنطوٍ عليه، لما كان هذا هو حالُنا مع الله تعالى افتقاراً إلى كل ما ينبغي أن يكون عليه مَن آمن به وصدق ما عاهدَه عليه!
إن الطريقَ إلى تقويمِ حالنا مع الله تعالى يبتدئ بهذا الذي ينبغي علينا أن نقوم به من “غربلةٍ” لتديُّننا بدين الله تعالى لا تُبقي على أي “ابتداعٍ” مهما استصغرناه. فما يُدرينا أن ما استصغرناه وحسبناه هيِّناً هو في حقيقة الأمر عند الله عظيم؟!
