فما يكون لك أن تتكبَّر فيها

أمرَنا اللهُ تعالى أن نتدبَّر آياتِ قرآنِه العظيم، وذلك بأن نقرأها بلسانها العربي المبين دون أن تُخالط قراءَتَنا شوائبٌ من أفكارٍ مسبقة ينتهي بنا الأمرُ من بعدها إلى وقوعنا على ما نظن أنه معنى هذه الآيات وما هو بمعناها! ولقد تجلَّى هذا العجزُ منا عن تدبُّر كثيرٍ مما جاءنا به قرآنُ الله العظيم بهذا الذي أصبح عندنا الحقيقةَ التي لا مراءَ فيها، والتي لا نرضى بأن يُشكِّك فيها أحد! وهكذا كان لهذا الإعراضُ منا عن تدبُّر القرآنِ العظيم، بقراءتِه بلسانه العربي المبين وبإحجامنا عن إسقاط أفكارنا على نصِّه القرآني المقدس، أن يفضي بنا إلى توهُّم ظنوننا حقائق!

وخيرُ مثالٍ على ذلك أننا أصبحنا لا نرضى بأن نسمع لقولٍ يُخالِف ما وقرَ لدينا من ظنٍّ واهمٍ بأن الجنةَ التي أسكنها اللهُ تعالى آدم وزوجَه كانت على هذه الأرض وليست على كوكبٍ آخر! ولو أننا تدبَّرنا قصةَ آدم كما جاءنا بها قرآنُ الله العظيم، وذلك بأن نستذكر كلَّ مفردةٍ من مفرداتها القرآنية الكريمة، لتبيَّن لنا ما نحن عليه من ضلالٍ مبين بهذا الإصرار منا على أن جنةَ آدم وحواء كانت على هذه الأرض! فتلك الجنة التي أُخرج منها أبوانا من بعد أكلهما من شجرتها التي نهاهما اللهُ عنها، هي ذاتها الجنة التي سبق لله تعالى وأن أخرجَ منها إبليس من بعد أن امتنع عن الامتثال لأمره تعالى بالسجود لآدم. وهذا هو عينُ ما تُشير إليه الآية الكريمة: (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) (13 الأعراف).

ومن الواضح لكل من يتدبَّر هذه الآية الكريمة أن الحديثَ فيها ليس ذا صلةٍ بمكانٍ على هذه الأرض، وأن الجنةَ التي أُخرج منها إبليس لرفضه أن يسجد لسيدنا آدم عليه السلام هي عين الجنة التي أُخرج منها أبوانا آدم وحواء وذلك لأنها ليست المكان الذي يمكن أن تتجلى فيه عداوةُ بني آدم بعضهم لبعض.

إذاً يُبيِّن لنا هذا الإصرار على اعتبار جنة أبوينا آدم وحواء لا يمكن أن تكون على غير هذه الأرض مقدارَ ما نحن عليه من ابتعاد عن تدبُّر الكثير الكثير من آي القرآن العظيم!

أضف تعليق