
تحدثتُ في عشرات من منشورات هذه الصفحة عما نحن عليه من عجزٍ عن تبيُّن وتذوُّق ما حبا اللهُ تعالى به قرآنَه العظيم من عذوبةٍ ربانية ما كانت لتفوتنا وتغيب عنا لولا أننا أصررنا على قراءةِ آياته بلسانِنا الذي اعوجَّ بفعل الزمان! فنحن لابد من أن نُقِرَّ بأن لسانَ أجدادِنا الذين شرَّفهم اللهُ بقرآنِه العظيم مكَّنهم من فقه آياتِ هذا القرآن فقهاً ليس لنا إليه من سبيل طالما ضلَلنا عما كان عليه أجدادُنا هؤلاء من لسانٍ سليم من اللحن والغلط!
وفي هذا المنشور سوف أتطرق إلى الإجابة عن سؤالٍ عنَّ لكثيرين ممن شغلَهم قرآنُ الله العظيم بهذا الذي حباهُ اللهُ تعالى به من تفرُّدٍ لغوي أعجزَ فطاحلَ اللغة على مر الزمان. وهذا السؤال هو: لماذا ذكَّر القرآنُ النسوةَ بقوله تعالى “وقالَ نسوةٌ” وذلك في الآية الكريمة 30 يوسف (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِين)، ولماذا أنَّثَ الأعرابَ بقوله تعالى “قالت الأعراب” وذلك في الآية الكريمة 14 الحجرات (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)؟!
إن المسارعة إلى الإجابة على هذا السؤال دون تمهُّلٍ وتروٍّ وتأنٍّ، يُمليه وجوب تذكُّر ما بين لسان القرآن العربي المبين ولساننا المعوج من تباينٍ في الذائقة، لن تجعلنا نزدادُ إلا نأياً وابتعاداً عن هذه الإجابة. أما إذا ما نحن استعنَّا على فقه هاتين الآيتين الكريمتين، وذلك بقراءتهما بلسان القرآن العربي المبين، فعندها سنُمكَّن من الإحاطةِ بالإجابة على هذا السؤال. فآية الحجرات تتحدث عن جماعة من الأعراب وليس عن الأعراب كلهم أجمعين، فهي بمعنى “قالت (جماعةٌ من) الأعراب”. قارن ذلك بما كان سيكون عليه الحال لو ذُكِّر الأعراب! فمن يقول: “قال الأعراب” فإنما يعني “قال الأعرابُ كلُّهم أجمعون”.
أما آيةُ سورة يوسف، فإنها تتحدث عن نفرٍ من نسوة المدينة يُعَدُّ على أطراف الأصابع، فهي بمعنى “قال (نفرٌ من) نسوة المدينة”. ولو قال أحدهم: “قالت نسوة المدينة”، لكان في ذلك ما يوجب الاعتقاد بأن هذا القول قد ردَّدته ألسنةُ نسوة المدينة كلِّهن أجمعين.
يبقى أن أُذكِّر بأنه وفقاً لعربية أجدادنا التي فارقناها، فإن النفرَ هم قليلُ الجماعة والجماعةَ هي كثيرُ النفر.

GREAT
إعجابإعجاب