لماذا كان الجنُّ أشدَّ خلقاً من الإنسان؟

أنزلَ اللهُ قرآنَه العظيم تبياناً لكلِّ شيء وتصحيحاً لكلِّ ما وقرَ في عقل الإنسان فظنَّ أنَّه الحقُّ المُبين. ومن ذلك ما جاءنا به قرآنُ اللهِ العظيم من حقائقَ بيَّنَت ما هو عليه خَلْقُ الإنسانِ وذلك بالمقارنة مع خلْقِ غيرِه من المخلوقاتِ التي كشفَ لنا هذا القرآن النقابَ عن أنَّها أشدُّ خلْقاً منه (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ) (11 الصافات). فهذه الآية الكريمة تُعرِّفُ الإنسانَ بحقيقةِ خِلقتِه التي يتفاخرُ بها ويتباهى غيرَ مُدركٍ أنَّ هناك مِن خلْقِ اللهِ مَن هم أشدُّ منه بأساً وقدرة.

والجنُّ هم من هذه المخلوقات التي تتفوق على الإنسان مَنَعةً وقوةً وتمكُّناً من الأرضِ والسماء. ويعودُ السببُ في هذا “التفوُّق الخَلقي” للجن على البشر إلى أن البشرَ قد خُلِقوا من هذا الطين اللازب الذي أشارت إليه الآية الكريمة أعلاه. فالخِلقةُ الطينية قد حدَّدت ما بمقدور الإنسان القيامُ به. وهذه الحدود هي قدَرُ الإنسان البايولوجي الذي حتَّم عليه وجوبَ أن يكونَ مُحدَّدَ القدرات محدودَ القوى، وذلك بالمقارنة مع الجن الذين خلقهم اللهُ تعالى من نار، وبذلك كان بمقدورهم القيامُ بما لا يستطيعه الإنسان.

ولذلك توجَّهَ سيدُنا سليمان إلى قومِ سبأ منذراً بأنه آتيهم بجنودٍ لا قِبلَ لهم بها، وذلك في إشارةٍ منه عليه السلام إلى مَن كان في جيشِه من الجن الذين فصَّلت لنا الآية الكريمة 39 من سورة النمل ما كان بمقدورِ الواحد منهم أن يقوم به من عجيبِ الأمورِ وغريبها (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(38) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39)).

فقوى الجن وقدراتُهُم هي ما جعل منهم أشدَّ خلقاً من الإنسان وليس أيُّ شيءٍ آخر. وهذه القدرات والقوى حُرِمَ منها الإنسانُ بسببٍ من خِلقتِه البايولوجية التي أوجبت عليه أن يخضعَ لجملةٍ من القوانين الفيزيائية التي بمستطاع الجن خَرقَها وذلك لأنهم يخضعون لقوانين فيزيائيةٍ أخرى متسلِّطةٌ على تلك التي يخضعُ لها البشر بسببٍ من خِلقتِهم الطينية.

إلا أن هذا التفوق الخَلقي للجن على البشر، والذي يتجلى في تمكُّنِهم من القيام بما لا قدرةَ للبشر على القيامِ به، لا ينبغي أن يُساءَ تقديرُهُ فيُظَنَّ أنَّه يجعلُ من الجنِّ أكرمَ عند اللهِ من البشر وأقربَ إليه منهم! فاللهُ تعالى أبانَ لنا في قرآنِهِ العظيم أنَّ أكرمَ الخَلقِ عنده أتقاهم له (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (من 13 الحجرات). فيكفي هذا القانونَ الإلهي برهاناً على أنه الحقُّ المُبين أنَّ هناك من البشرِ مَن جعلته عبادتُه المتفوقة يستحقُّ أن يُكرِّمَه اللهُ فيُقرِّبَه إليه التقريبَ الذي جعلَه صلى الله تعالى عليه وسلم خيرَ خلقِ اللهِ كلِّهم أجمعين.

One comment

أضف تعليق