تحدثتُ في المنشور السابق عن أن دخولَ الجنةِ هو ليس كما نظنُّ ونحسب! فدخولُ الجنةِ يقتضي وجوبَ أن يجتازَ العبدُ مراحلَ متلاحقةً من “الاختباراتِ الإلهية” التي إن هو اجتازها بنجاح زُحزِحَ عن النار وأُدخلَ الجنة. فهذه الاختباراتُ الإلهيةُ عرَّفنا بها القرآنُ العظيم تعريفاً يُفنِّدُ ظنَّ من يحسبُ أنَّ الإيمانَ باللهِ واليومِ الآخِر أمرٌ ليس بالعسير.
وهذه الاختباراتُ الإلهيةُ تشتملُ على “الفتنةِ” التي أشارَ إليها قرآنُ اللهِ العظيم في مواضعَ كثيرة منها: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) (من 20 الفرقان)، (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (2- 3 العنكبوت).
ومن بين هذه الاختبارات الإلهية أيضاً “الابتلاء” والذي ورد ذكرُه في القرآن العظيم مراتٍ عديدة منها: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (من 2 الملك)، (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) (من 165 الأنعام).
كما أن “التمييزَ” هو واحدٌ من هذه الاختبارات الإلهية، والذي جاء ذكرُه في الآيةِ الكريمة (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (37 الأنفال).
ولقد ورد ذكرُ “التمحيص” في القرآنِ العظيم كواحدٍ من بين الاختباراتِ الإلهية التي يُختبَرُ بها المؤمنون: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) (141 آل عمران)، (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) (154 آل عمران).
فإذا كانت دنيا المؤمنين تشتملُ على هذه الاختباراتِ الإلهيةِ من فتنةٍ وابتلاءٍ وتمييزٍ وتمحيص، فلماذا وصفَ اللهُ تعالى إذاً حياةَ مَن آمنَ به وعمِلَ صالحاً بأنها “حياةٌ طيبة” (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (97 النحل)؟ هذا سؤالٌ سوف أجيبُ عنه إن شاء الله في المنشور التالي.


قام بإعادة تدوين هذه على اسم الموقع.
إعجابإعجاب