يتسلَّطُ اللهُ تعالى على الوجودِ تسلُّطاً لا قدرةَ لمخلوقٍ على أن يكونَ له ما يجعلُ منه يستعصي على “أمرِ اللهِ إذا جاء”، حتى وإن كان في ذلك ما يتعارضُ مع الأسبابِ والقوانين التي خلقَها اللهُ وفرضَها على هذا الوجود لتجريَ بذلك وقائعُه وتحدثَ أحداثُه وتتجلى ظواهرُه. فللهِ تعالى الأمرُ من قبلِ أن يخلقَ الوجودَ، حيث لم يكن هناك من تواجدٍ لأي مخلوقٍ على الإطلاق، ومن بعدِ أن اكتملَ خلقُ هذا الوجود.
ويُخطئُ كلُّ مَن يظنُّ ويتوهَّمُ أنَّ خلقَ الوجودِ له أيُّ تأثيرٍ على تسلُّطِ أمرِ اللهِ عليه! صحيحٌ أنَّ الوجودَ ممتلئٌ بما خلقَ اللهُ تعالى فيه من قوانينَ وأسباب لولاها ما كانت لتجريَ مُجرياتُ وقائعِه وأحداثِهِ وظواهرِه، إلا أنَّ “أمرَ اللهِ” متسلِّطٌ على كلِّ ما في الوجودِ تسلُّطاً لا اختلافَ على الإطلاق بينه وبين ذاك التسلُّط الذي كان للهِ تعالى قبل أن يخلقَ الوجود.
وبذلك فإن بإمكانِنا الآن أن نتدبرَ ما جاءتنا به سورةُ الروم في الآيةِ الكريمة 4 منها (“للَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ”)؛ فهذه الآية الكريمة هي الصيغةُ المُجمَلةُ التي أوجزَ اللهُ تعالى بها قانونَه الإلهي الذي يقضي بأن “للهِ الأمرُ من قبلِ أن يخلقَ الوجودَ ومن بعدِ أن خلقَه”.

