الاستثناء القرآني

أَمَرنا اللهُ تعالى بأن نتدبَّرَ آياتِ قرآنِهِ العظيم (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (29 ص). فتدبُّرُ القرآنِ العظيم كفيلٌ بأن يوطِّنَ الإيمانَ باللهِ في العقلِ والقلب، وذلك لما بمقدورِ هذا التدبُّرِ أن يبُثَّهُ فيهما من أدلةٍ وبراهين تُمكِّنُ العبدَ العابدَ من أن يستعصيَ على النفسِ وهواها فلا يُمكِّنَهما منه. فالقرآنُ العظيم كتابٌ “استثنائي” يضطرُّ مُتدبِّرَه إلى الإقرارِ بأنَّ مَن قام بصياغتِهِ لا يمكنُ أن يكونَ بشراً على الإطلاق. فهذا القرآنُ يشتملُ على “منطقٍ إلهي” يتعالى على منطقِنا البشري، وإن كان تعاليهِ هذا لا يحولُ دونَ أن يكونَ هناك “تفاهمٌ” و”تفاعل” بين المنطقَين.
ولذلك فإنَّ العقلَ المتفكِّرَ المتدبِّرَ المُدَّكِر سوف يتبيَّنُ “استثنائيةَ” القرآنِ العظيم، وتفرُّدَ ما تنطوي عليه آياتُه، وانفرادَه بتصوُّرٍ للوجودِ وما فيه، ولعلاقةِ اللهِ تعالى بهذا الوجودِ ومفرداتِه. وتتجلى “استثنائية” القرآنِ العظيم أيَّما تجلٍّ في هذا الذي يشتملُ عليه من حقائقَ لن يكونَ بمقدورِنا أن نُعلِّلَ لكثيرٍ مما نراه في أنفسِنا وفي الآفاقِ من غيرِ الالتجاءِ إليها. فيكفينا أن نستذكرَ ما يحفلُ به القرآنُ العظيم من حقائقَ ذاتِ صلةٍ بـ “أصلِ” الإنسانِ و”مصيرِه”؛ هذا “الأصلُ” وذاك “المصيرُ” اللذانِ نظنُّ ونتوهَّمُ أنَّ ما بين أيدينا من علومٍ ومعارفَ تكفي لتبيانِ كلِّ ما هو مُبهَمٌ وغامضٌ فيهما!

أضف تعليق