تضطرُّ “آياتُ المعراج” متدبِّرَ سورةِ النجم إلى التساؤلِ عن المعنى الذي تنطوي عليه هذه الآيات، وذلك لأنها تتحدَّثُ عن رحلةٍ من أرضِ السماءِ الأولى إلى أرضِ السماءِ السابعة، ومنها إلى “عالمِ عرش الله”، مروراً بالكثيرِ من “المحطاتِ” التي كانت لسيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فيها “توقفاتٌ” تَيسَّرَ له بمقتضاها أن يرى من آياتِ اللهِ الكبرى. ومن بين هذه المحطات، تلك التي قُيِّضَ لسيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أن ينطلق منها صوبَ “عالمِ عرشِ الله”. ولقد حفظت لنا سورةُ النجم بعضاً مما خبِرَه سيدُنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم في تلك المحطة من عجيبِ الأمورِ وغريبها، وذلك في الآيات الكريمة 4-9 منها (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى).
فهذه الآياتُ الكريمةُ تصِفُ “تقرُّبَ” سيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من “عالم العرش”. وهذا التقرُّب ليس لمخلوقٍ أن يُمكَّنَ منه إلا بفضلٍ من اللهِ ونعمة. فبمقتضى هذا الفضل، وهذه النعمة، قُرِّبَ سيدُنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فتقرَّبَ فازدادَ من اللهِ تعالى قربى، حتى بلغَ تقرُّبُه من اللهِ تعالى حداً هو “قاب قوسينِ أو أدنى”. فسيدُنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قد قرَّبَه اللهُ إليه بصورة “تدريجية” أهَّلته للمثولِ بين يدَيه تعالى، وذلك حتى لا يكونَ في الأمرِ ما لا طاقةَ له صلى الله تعالى عليه وسلم به لو أنَّ الأمرَ كان خلافَ ذلك فكان مثولُه “مباشرةً” دون تدرُّج في التقريب.

