لن نُمكَّنَ من الوقوعِ على معنى كثيرٍ من آياتِ القرآنِ العظيم إن نحنُ أصرَرنا على أن نُقارِبَها مقاربةً لا تُقِرُّ بما يتمايزُ به لسانُ القرآنِ العربي المبين عن لسانِنا العربي الذي شابَهُ ما شابَه من اعوجاجٍ حتى ما عادَ مُبيناً كما كان يومَ أنزلَ اللهُ تعالى هذا القرآن. ومن ذلك ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه إن نحن شرَعنا في تدبُّرِ ما جاءتنا به سورةُ النجم في الآية الكريمة 24 منها (أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى).
فإن نحن قرأنا هذه الآيةَ الكريمة بلسانِنا، فسوف يتبادر إلى الذهنِ أنَّها تتحدث عن هذا الذي “يتمناه” الإنسان، أي ما يرغب فيه! وهذا هو أبعدُ ما يكون عن حقيقة الأمر؛ هذه الحقيقة التي بإمكانِنا أن نُحيطَ بها إن نحن تدبَّرنا هذه الآيةَ الكريمة مُستذكِرين أنَّ “التمنِّي” وفقاً للسانِ القرآنِ العظيم هو “القول”، وذلك كما بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمة التالية:
(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (78 البقرة)، فمن أهلِ الكتاب، من معاصري رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، من كانوا أميين، أي عَرباً، لا يعلمون ما “يقولون” إذ يقرأون التوراةَ والإنجيل، وذلك لأن لسانَهم كان أمياً (أي عربياً) وليس أعجمياً كلسانِ أهلِ الكتاب.
(وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين) (111 البقرة). فمن أهلِ الكتاب من معاصري رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مَن كان “يقول” بأن الجنةَ لن يدخلها إلا من كان هوداً أو نصارى.
(لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (123- 124 النساء). إذاً فأمرُ دخول النار أو الجنة هو ليس رهناً بما “نقول” به نحن أو “يقول” به الآخرون، ولكنه منوطٌ بما يقضي به اللهُ تعالى.
(يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ) (من 14 الحديد). إذاً فلقد غرَّت القومَ الأمانيُّ أي ما كانوا يتناقلونه من “أقوالٍ” زيَّنت لهم سوءُ أعمالِهم فرأوه حسنا.


اللفظ في الآيات يحتمل كلا المعنيين، و هو يحتمل المعنى الأول كما في الآية ١٤٣ من سورة آل عمران في قول الله تعالى (و لقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه).
إعجابإعجاب