يُصِرُّ أصحابُ المقاربةِ التقليدية لدينِ اللهِ تعالى على النأي والابتعادِ عن كلِّ ما من شأنِه أن يُقرِّبَهم إلى اللهِ تعالى بهذا الذي هم عليه من اتِّباعٍ لما تهوى الأنفس، عِوَض الإنصياعِ لما أمرَهم به القرآنُ العظيم من وجوبِ اتِّباعِ صراطِ اللهِ المستقيم! ولا أدلَّ على ذلك من إيثارِ هؤلاء لما يدفعُهم إليهِ الهوى على الاندفاعِ صوبَ ما ينأى بهم عنه!
وفي هذا المنشور سوف أتطرَّقُ إلى ما يقولُ به أصحابُ هذه المقاربة من أنَّ المرأةَ ما خُلِقَت إلا “للإنجاب والأُنس”! ولذلك فالمرأةُ، من وجهةِ نظرِ هؤلاء، ليس لها ما للرجل الذي خُلِقَ متفوقاً عليها بعقلِهِ ودينِهِ، والذي لا وجهَ هناك للمقارنةِ على الإطلاق بينه وبينها، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بما يقتضيه الأمرُ حتى يكونَ لواحدِهما ما يجعلُ منه الأقربَ إلى اللهِ تعالى!
ولقد فات أصحابَ هذه المقاربةِ أنَّهم بهذا الإصرارِ من جانبِهم على أنَّ المرأةَ لم تُخلَق لغير “الإنجاب والأنس”، قد أثبتوا على أنفسِهم أنَّهم قد اتَّبعوا “نظريةَ التطور”، في الوقت الذي يجاهرون بعداوتهم لها ليلَ نهار! فإذا كانت المرأةُ لم تُخلَق لغير “الإنجاب”، أفلا يبرهن ذلك على أصلِها الحيواني الذي يُنكِرُه هؤلاء، وعلى أن الإنسانَ بالتالي قد تطوَّرَ عن ماضٍ حيواني لا يُقِرُّ به هؤلاء؟!
أما مسألةُ كون المرأة قد خُلِقت “للأُنس”، فإنَّ في هذه المسألة ما يُبرهنُ على مدى “التخبُّطِ الفكري” الذي يخوضُ فيه هؤلاء! فكيف يستقيمُ أن تكونَ المرأةُ أصلُها حيواني في الوقت الذي جعلتها “نفسُها البشرية” تجنحُ إلى الأُنس حرصاً وتعلُّقاً منها بإمتاع زوجِها؟!
لقد كان بوسعِ أصحابِ المقاربةِ التقليدية لدينِ اللهِ تعالى أن يوفروا على أنفسهم كلَّ هذا العناء لو أنَّهم تدبَّروا ما جاءهم به القرآنُ العظيم من أنَّ اللهَ تعالى لم يخلقِ المرأةَ “للإنجابِ والأُنس” طالما كان قد خلقها لتعبدَه شأنُها في ذلك شأنَ كلِّ مَن خلقَه اللهُ ليعبدَه من جنٍّ وإنس (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (56 الذاريات). فالمرأةُ من الإنس، ولأنها كذلك فهي لم تُخلَق “للإنجابِ والأُنس”، ولكنها خُلِقت لتعبدَ اللهَ ربَّ الجِن والإنس!

