“الراسخون في العلم” من أهلِ الكتابِ وأهلِ القرآن

ورد المصطلح القرآني الجليل “الراسخون في العلم” في القرآنِ العظيم مرتين. وفي كلتا هاتين المرتين تم التعريف بهذا المصطلح الجليل بدلالةٍ من “إتقانِ تدبُّرِ” القرآن العظيم. فالورودُ الأول لمصطلح “الراسخون في العلم” نجده في الآية الكريمة 7 من سورة آل عمران: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). فـ “الراسخون في العلم”، كما تُعرِّفُهم هذه الآيةُ الكريمة، هم مَن لم يشتبِه عليهم الأمرُ فيجعلهم ذلك يُؤمِنون ببعضِ القرآنِ ويكفرون ببعض، وذلك كما فعل بعضُ السابقين مع الكتابِ الذي أنزلَهُ اللهُ عليهم من قبل (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (من 85 البقرة). فـ “الراسخون في العلم” يؤمِنون بالقرآنِ العظيم كلِّه، مُحكمِه ومُتشابِهِه، دون احتزاءٍ أو تبعيض. قارن حال “الراسخين في العلم” مع القرآنِ العظيم بحالِ أولئك الذين ذمَّهم هذا القرآنُ فقال فيهم (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ. الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) (90- 91 الحجر).
أما الورود الثاني لمصطلح “الراسخون في العلم”، فنجده في الآية الكريمة 162 من سورة النساء: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا). فـ “الراسخون في العلم” في هذه الآية الكريمة هم علماءُ بني إسرائيل الذين آمنوا بما أُنزِل على سيدِنا محمد إيمانَهم بما أُنزِلَ عليهم من قبل، وإيقاناً بأنَّ هذا الذي أُنزِل عليه صلى الله تعالى عليه وسلم لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله، شأنُه في ذلك شأنَ ما أُنزِل عليهم من قبل.
يتبيَّنُ لنا إذاً بتدبُّرِ ما تقدَّم أنَّ اللهَ تعالى عرَّف “الراسخين في العلم” بهذا الذي هم عليه من “إتقانِ تدبُّرٍ” للقرآنِ العظيم انتهى بهم إلى الإيمانِ به كتاباً كلُّ ما فيه يشهدُ له بأنه لا يمكن أن يكونَ من عند غيرِ الله.

أضف تعليق