
بشَّرت التوراةُ برسولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم. وهذه حقيقةٌ من الحقائق التي ما كنا لنُحيطَ بها علماً لولا أنَّ اللهَ تعالى أنبأنا بها في قرآنِه العظيم. ولقد بيَّنت ذلك وفصَّلته آياتٌ قرآنيةٌ عديدةٌ، منها: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (197 الشعراء)، (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (6 سبأ)، (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) (43 الرعد)، (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) (من 122 البقرة)، (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (من 49 العنكبوت)، (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل) (من 157 الأعراف).
فإذا كانت التوراةُ قد بشَّرت بسيِّدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فلماذا لم تُبشِّر بسيدِنا عيسى عليه السلام؟
قد يبدو هذا السؤالُ صادماً لمن يظنُّ أنَّ القرآنَ العظيم لم يرِد فيه ما يؤكِّدُ ذلك. غير أنَّ تدبُّرَ ما جاءتنا به سورةُ مريم كفيلٌ بأن يُبدِّدَ أيَّ شكٍّ يكتنفُ هذا الأمر ويُفنِّدُ في الوقتِ ذاتِه الدعاوى التي تقولُ بخلافِ ذلك. لنتدَّر ما جاءتنا به سورةُ مريم في الآيتين الكريمتين التاليتين: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا. فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) (22- 23). فلو كانت التوراةُ قد ورد فيها ما يُشيرُ من قريبٍ أو بعيد إلى سيدِنا عيسى عليه السلام، أما كانت السيدةُ مريم عليها السلام لتعلمَ بذلك، وهي مَن هي وأهلُها مَن هم دراسةً ودرايةً بكلِّ ما جاءت به التوراة، ولما قالت (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا)؟!
