
نقرأُ في سورةِ يوسف، وفي الآياتِ الكريمةِ 7- 9، قولَ اللهِ تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ. إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ).
ألا يُذكِّرُنا ما اعتزمَ القيامَ به إخوةُ يوسف من قتلٍ لأخيهم يوسف بما انتوى القيامَ به ابنُ آدمَ من قتلٍ لأخيه؟: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (27- 30 المائدة).
وألا يُعينُنا تدبُّرُ هذين الحدثين على تبيُّنِ العلةِ من وراءِ المسارعةِ إلى البطشِ بأقربِ المقرَّبين بما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (24 الأعراف)؟ فاللهُ تعالى قد خاطبَ بَني آدمَ كلَّهم جميعاً بقولِه هذا بُعيدَ أكلِ آدمَ وزوجِه من الشجرةِ التي نهاهما عنها، وذلك قبيلَ أن يُخرجَهما من الجنة ويعيدَهما إلى الأرض التي خلقهما منها.
وألا يُعينُنا تدبُّرُ كلِّ ما تقدَّم ذكرُه على تبيُّنِ العلةِ من وراءِ أمرِ اللهِ تعالى لبَني آدم على أن يتَّبعوا هداه؟ فاتباع هَدي الله هو السبيلُ الوحيد “لإبطالِ مفعولِ” ذاك الذي تسبَّب به أكلُ أبوَينا من تلك الشجرةِ فجعل ما بين بَني آدمَ عداوةً قد تبلغُ بالبعضِ منا حدَّها الأقصى وذلك شروعاً في القتل. فالعداوةُ الكائنةُ بين بَني آدم هي عداوةٌ “متأصلةٌ” فيهم لا يحتاجُ الأمرُ معها إلى إيرادِ ما يُسبِّبُ لها من أسبابٍ نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو عِرقية أو غيرِ ذلك! فيكفينا أن نستذكرَ ونتدبَّرَ قَولَ اللهِ تعالى مخاطباً الذين آمنوا من معاصري رسولِه الكريم صلى اللهُ تعالى عليه وسلم: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (من 103 آل عِمران). والعداوةُ التي يشيرُ إليها قولُ اللهِ تعالى هذا هي عداوةٌ لا تكفي أسبابُ الدنيا كلُّها للتعليلِ لها وإلا لَما قالَ اللهُ تعالى مخاطِباً رسولَه الكريم صلى اللهُ تعالى عليه وسلم: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (من 62- 63 الأنفال).
