ما الذي جعلَ العبدَ الصالِح يقولُ لِسيِّدِنا موسى “إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا”؟

نقرأُ في سورةِ الكهف، وفي الآيتَين الكريمتَين 66- 67 منها، قولَ اللهِ تعالى: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا. قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا). فما الذي جعلَ العبدَ الصالح يقولُ لسيدِنا موسى “إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا”؟
قد يظنُّ البعضُ أنَّ ذلك يعودُ إلى ما تبيَّنَ للعبدِ الصالحِ من طِباعِ سيدِنا موسى وسِماته التي لم تكن لتخفى عليه، والتي تنمُّ عن افتقارِ سيدِنا موسى إلى الصبرِ حتى تتكشَّفَ له الوقائعُ فتبوحَ بما انطوت عليه من غوامضِ الأسرار. وهذا ظنٌّ تدحضُه وتُفنِّدُه الحقيقةُ التي مفادُها أنَّ الناسَ في ذلك الزمان لم يكن ليظهرَ عليهم ما يُنبئُ عما توارى في دواخلِهم. فالناسُ آنذاك كانوا يُتقنون إخفاءَ ما يعتملُ داخلَهم من ريبةٍ وتخوُّفٍ وتوجُّسٍ وقلق، وذلك مخافةَ أن تُعينَ هذه “المظاهرُ” عدواً محتملاً على أن يبطشَ بهم.
إذاً فما الذي جعلَ العبدَ الصالح يقولُ لسيدِنا موسى ما قالَه؟
يُعينُنا على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ ما كشفَ لنا اللهُ تعالى النقابَ عنه في قرآنِه العظيم من خصائصِ الإنسانِ المتعالية على الزمانِ والمكان والعِرقِ واللون والجنس والثقافة وغيرِ ذلك مما يتمايزُ به البشرُ بعضُهم عن بعض. فالعبدُ الصالحُ لم يكن ليحسبَ سيدَنا موسى إلا بشراً مثلَ غيرِه من البشر يحكمُ على الأمورِ بظواهرِها ولا يتروَّى أو يتريَّثُ ريثما تتكشَّفُ له خواتِمُها. فكلُّنا كنا لنفعلَ ما فعلَه سيدُنا موسى وكلُّنا كان ليصدرَ عنه ردُّ الفعلِ ذاتُه والذي بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمة:
1- (قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) (من 71 الكهف).
2- (قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) (من 74 الكهف).
3- (قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) (من 77 الكهف).

أضف تعليق