في معنى “شِرعةً ومنهاجا” في الآيةِ الكريمة 48 المائدة

نقرأُ في سورةِ المائدة، وفي الآيةِ الكريمةِ 48 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ). فما هو معنى “شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا” في هذه الآيةِ الكريمة؟
يكفلُ لنا تدبُّرُ قولِ اللهِ تعالى هذا في السياقِ الذي ورد فيه أن نتبيَّنَ المعنى الذي ينطوي عليه. فهذا المعنى موصولٌ بالعباداتِ التي شرعَها اللهُ تعالى نهجاً أوجبَ على الناسِ اتِّباعَه كلٌّ وفقاً لما اختارَ أن يتديَّنَ به من أوجهِ دينِ اللهِ الحنيف الذي أنزلَه توراةً وإنجيلاً وقرآناً مبيناً. وهذه الأوجهُ تتطابقُ فيما بينها كلُّها جميعاً ما تعلَّقَ الأمرُ بحقائقِ الدينِ التي جعلَها اللهُ تعالى ثابتةً لم تتغيَّرُ منذ أبي البشرِ آدم وحتى اكتمالِ تنزُّلِ القرآنِ العظيم. أما ما تتمايزُ به هذه الأوجهُ عن بعضِها البعض، فهو مقصورٌ على النظامِ التعبُّدي الذي اختصَّ اللهُ تعالى به كلَّ وجهٍ منها فجعلَه الشِّرعةَ والمنهاجَ اللذين يتعيَّنُ على كلِّ مَن اختارَ هذا الوجهَ أو ذاك منها أن يُلزِمَ بهما نفسَه. ولذلك نقرأُ في الآيةِ الكريمةِ 48 من سورةِ المائدة أعلاه قولَ اللهِ تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ). فخطابُ اللهِ تعالى هذا موجَّهٌ إلى الناسِ كلِّهم جميعاً مهما تباينت شرائعُهم ومناهجُهم.
ويخطئُ كلُّ مَن يظنُّ ألا فرقَ بين الشرعةِ والمنهاج وبين السبيلِ والصراطِ والطريق! فالتوراةُ التي أنزلَها اللهُ تعالى على سيدِنا موسى دعت إلى صراطِ اللهِ المستقيم الذي دعا إليه الإنجيلُ الذي أنزلَه اللهُ تعالى على سيدِنا عيسى، وهو ذاتُ الصراطِ المستقيم الذي يدعو إليه قرآنُ اللهِ العظيم:
1- (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) (43 فُصِّلت).
2- (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (46 العنكبوت).
3- (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) (من 64 آل عمران).

أضف تعليق