في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ”
أخذَ اللهُ تعالى ميثاقاً من بَني إسرائيل ألزمَهم بمقتضاه أن يُلزِموا أنفسَهم بالعملِ وفقاً لنصوصِه التي بيَّنَها لنا قرآنُه العظيم، وذلك في الآيةِ الكريمة 83 من سورةِ البقرة: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ). ونصوصُ هذا الميثاق هي ذاتُها التي أخذها اللهُ تعالى على الذين آمنوا في كلِّ زمانٍ ومكان. فاللهُ تعالى لم يقل لرسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم إلا ما كان قد قالَه للرسلِ من قبلِه: (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ) (من 43 فُصِّلت). فليس لأحدٍ من غيرِ بَني إسرائيل أن يُعرِضَ عن إلزامِ نفسِه بنصوصِ هذا الميثاقِ الإلهي بذريعةٍ مفادها أنَّ اللهَ تعالى قد أخذه عليهم وليس على أحدٍ آخرَ غيرِهم! فكلُّ ما وردَ في الآيةِ الكريمة 83 من سورةِ البقرة أعلاه من نصوصِ هذا الميثاق هو من بين ما أمرَ اللهُ تعالى به الذين آمنوا بقرآنِه وبرسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم. لنأخذ على سبيلِ المثال ما نصَّ عليه هذا الميثاقُ من وجوبِ أن نقولَ للناسِ حُسناً: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (من 83 البقرة). أفلا يُذكِّرُنا هذا النصُّ الجليل بأمرِ اللهِ تعالى الواردِ في الآيةِ الكريمة 53 من سورةِ الإسراء (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا)؟ ولقد فصَّل اللهُ تعالى في هذه الآيةِ الكريمة العلةَ من وراءِ أمرِه هذا حين أرجعَها إلى تربُّصِ الشيطانِ بالإنسان وتحيُّنِه سوانحَ الفُرص حتى ينالَ منه نيلاً يعسِّرُ على الإيمانِ دخولَ قلبِه، وذلك بأن يُذكِيَ نارَ العداوةِ بين المتخاصمَين ويزيِّنَ لهما ما يجعلُهما يؤثران العصيانَ على الإحسان.