
يصرُّ البعضُ على النظرِ إلى المعجزاتِ وغيرِها من ظواهرِ الكون دون مراعاةٍ لما تمتازُ به المعجزاتُ من خروجٍ بإذنِ اللهِ تعالى على ما سبقَ وأن بثَّه اللهُ تعالى في العالَمِ من قوانينَ وأسباب؛ إن شاءَ حكَّمها في وقائعِه وأحداثِه، وإن شاءَ كفَّ يدَها فلم يمكِّنها من أن تفعلَ فيه فِعلَها الذي أجازَها بفِعلِه. فوقائعُ العالَمِ وأحداثُه هي نِتاجُ فِعلِ هذه القوانينِ والأسباب، وهي لذلك مشروطةُ الحدوثِ بهذه القوانينِ والأسباب.
أما المعجزاتُ، فلأنها تجلياتُ قولِ اللهِ تعالى للشيءِ إذا أراده “كن فيكون”، فإنَّ هذه القوانينَ والأسباب لا تملكُ أيَّ سلطةٍ تحولُ دون تجلِّيها. ولذلك أيضاً كانت المعجزاتُ غيرَ ذائعةِ الانتشار أما وأنها لا تحدثُ جراء فِعلِ ما بثَّه اللهُ تعالى في العالَمِ من قوانينَ وأسباب. فوقائعُ العالَمِ وأحداثُه هي الأكثرُ شيوعاً متاع الحياةِ الدنيا، حتى إذا جاء عالَمُ الآخرة لم يعد هناك من سلطانٍ يسيِّرُ وقائعَ ذلك العالَمِ وأحداثَه إلا سلطانُ “كن فيكون”. ولذلك كان عالَمُ الآخرةِ هو عالَمُ المعجزات إذ تكفُّ حينها قوانينُ عالَمِ الدنيا وأسبابُه عن الحدوث.
