تماثيلُ سليمان وتماثيلُ قومِ إبراهيم

للقرآنِ خصائصٌ لغوية لن يتبيَّنَ لنا مدى قدرتِها على أن تعينَنا على تبيُّنِ معنى آياتِه الكريمة حتى نقدرَها حقَّ قدرِها. ومن بين هذه الخصائص أن الكلمةَ القرآنية لا ينبغي أن تعاملَ معاملةَ غيرِها من الكلمات، وأنَّ هنالك علاقةً قائمةً بين الكلمةِ القرآنية والسياقِ الذي تردُ فيه، وأنَّ هذه العلاقةَ لها أن تجعلَ للكلمةِ القرآنية معانيَ تتعدَّد بتعدُّدِ السياقاتِ التي تردُ فيها. ومن الأمثلةِ القرآنيةِ على ذلك كلمةُ “تماثيل”. فالتماثيلُ التي كان قومُ سيدِنا إبراهيم يتعبدون لها لا علاقةَ لها من قريبٍ أو بعيد بالتماثيل التي كان الجنُّ يصنعونها لسيدِنا سليمان. لنتدبَّر الآياتِ الكريمةَ التالية:
1- (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ. قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ. قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِين) (51- 54 الأنبياء).
2- (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (12- 13 سورة سبأ).
والعلةُ من وراءِ انتفاءِ التماثلِ بين تماثيلِ سيدِنا سليمان وتماثيلِ قومِ سيدِنا إبراهيم تعودُ إلى التباينِ في النيةِ من وراءِ صنعِ كلاً منها. فقومُ سيدِنا إبراهيم صنعوا تماثيلَ عبدوها ظناً منهم أنها تقرِّبُهم إلى اللهِ تعالى، بينما أمرَ سيدُنا سليمان الجنَّ بأن يصنعوا له تماثيلَ أرادَ أن يُبهِرَ بها كلَّ مَن ينظرُ إليها إبهاراً تحتِّمُه ضخامةُ حجمِها التي تضطرُّ الناظرَ إليها لأن يتسائلَ عن كيفيةِ صنعِها؛ هذا التساؤلُ الذي لابد وأن يقودَ كلَّ مَن كان عنده شيءٌ من عقلٍ سليم إلى الإقرارِ بأنَّ الإلهَ الذي كان سيدُنا سليمان يدعو الناسَ إلى الإيمانِ به هو الإلهُ الحق الذي لا ينبغي أن يُشركَ به. فسيدُنا سليمان كان يضطرُّ ضيوفَه من الملوكِ والحكامِ لأن يتدبَّروا ما كان يفاجؤهم به من عجيبِ الصنائعِ وغريبِها علَّهم أن يُسلموا معه للهِ ربِّ العالَمين.
ولقد فصَّلَ لنا القرآنُ العظيم ما حدثَ لملكةِ سبأ إثرَ تفاجُئِها بما جعلها سيدُنا سليمان تختبرُه من إخفاقِ حواسِّها في تبيُّنِ حقيقةِ الصرح الذي حسبته لُجةً من الماء: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (44 النمل).

أضف تعليق