
القلبُ السليم هو ما ينبغي أن يحرصَ كلُّ مَن كان يرجو الآخرةَ على أن يأتيَ اللهَ تعالى به يومَ القيامة، وذلك كما أنبأنا به القرآنُ العظيم على لسانِ سيدِنا إبراهيم: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ. يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (87- 89 الشعراء). فكيف السبيلُ إلى هذا القلبِ السليم؟ وهل يكفي أن يكونَ المرءُ ذا عقلٍ سليم حتى يصبحَ ذا قلبٍ سليم؟
يتكفلُ بالإجابةِ على هذين السؤالَين أن نستذكرَ الحقيقةَ الدينيةَ التي مفادها أنَّ اللهَ تعالى ما كان ليذرَ الإنسانَ وعقلَه دون أن يُرسِلَ إليه مَن يُبيِّنُ له الطريقةَ الوحيدة ليرتقيَ بعقلِه هذا وبما يكفلُ له أن يصبحَ مبرَّءاً من كلِّ آفةٍ تحولُ دون أن يصبحَ سليماً. فالإنسانُ عاجزٌ وحده عن تبيُّنِ هذه الطريقة أما وأنه مقيَّدٌ بعقلِه الذي لا قدرةَ له على التعاملِ مع ما يتجاوزُ ظواهرَ الأشياءِ ومظاهرَها. فإصلاحُ القلب، وبما يكفي لجعلِه سليماً، يقتضي من الإنسانِ أن يعملَ بمقتضى خطةٍ لا قدرةَ لغيرِ اللهِ تعالى على أن يُبدِعَها. ولذلك أرسلَ اللهُ تعالى رُسُلَه، وأنزلَ معهم كتابَه ليُبيِّنَ للناسِ ما الذي يتوجبُ عليهم أن يفعلوه حتى يصبحَ الواحدُ منهم ذا قلبٍ سليم وبما يؤهِّلُه لأن يأتيَ اللهَ تعالى يومَ القيامة بقلبٍ سليم: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ.إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيم) (83- 84 الصافات). فسيدُنا إبراهيم جاءَ ربَّه في هذه الحياةِ الدنيا بقلبٍ سليم، الأمرُ الذي سيُتيحُ له أن يأتيَ ربَّه يومَ القيامةِ بقلبٍ سليم.
إنَّ تمتُّعَ الإنسانِ بجسمٍ سليم شرطٌ لابد منه ليصبحَ مؤهلاً للفوزِ بعقلٍ سليم إن هو حرصَ على ألا يجعلَ عقلَه، سليمَ البُنيةِ هذا، يجنحُ بعيداً عن التفكيرِ بمنطقٍ قويم. غير أنَّ هذا كلَّه لن يؤمِّنَ للمرءِ أن يصبحَ ذا قلبٍ سليم إلا من بعدِ أن يطوِّعَ نفسَه تطويعاً لا سبيلَ إليه إلا باتِّباعِ هَدي اللهِ تعالى. فاتِّباعُ هَدي اللهِ تعالى هو السبيلُ الوحيد الذي يكفلُ للمرءِ أن يصبحَ ذا نفسٍ سليمةٍ طائعةٍ للهِ تعالى، وذلك من بعدِ أن يقومَ المرءُ بتطويعِها وفقاً لما يقضي به هذا الهَدي.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ عبارةَ “العقلِ السليم في الجسمِ السليم” بحاجةٍ إلى إعادةِ صياغةٍ تجعلُها أقربَ إلى توصيفِ الحقيقةِ الوجوديةِ للإنسانِ الذي لابد من أن تؤخذَ نفسُه بنظرِ الاعتبار وليس عقلَه وجسمَه فحسب. فالجسمُ السليم يُعينُ المرءَ على أن يصبحَ ذا عقلٍ سليم شريطةَ أن يُلزِمَ عقلَه بانتهاجِ نظامٍ فكري قوامُه المنطقُ القويم. وهذا العقلُ السليم إن اتَّبعَ صاحبُه هَديَ اللهِ تعالى هو السبيلُ ليصبحَ ذا قلبٍ سليم، وذلك من بعدِ قيامِه بتطويعِ نفسِه وحملِها على الالتزامِ بصراطِ اللهِ المستقيمِ القادرِ وحده على أن يجعلَ المرءَ ذا قلبٍ سليم.
