من الجنوب إلى الشمال… رحلة الكلمات بين الجذور العربية وألسنة المهاجرين الأوائل

حين ننظر في تاريخ الكلمات، فإننا في الواقع نطل على تاريخ البشر أنفسهم، فالكلمة ليست سوى أثرٍ صوتي حيٍّ حمله اللسان البشري في ترحاله الطويل، شأنها شأن الحلي أو الأدوات التي انتقلت من موطن إلى آخر. والفرضية التي نعتمدها هنا تنطلق من رفض القطيعة الحضارية المزعومة بين حضارات الجنوب (شبه الجزيرة العربية وما جاورها) وحضارات الشمال (أوروبا وشمال آسيا)، إذ نرى أن هذه الحضارات ليست سوى مراحل متعاقبة لمسار هجرة إنسانية طويل، بدأ من بيئة عربية جنوبية كانت – كما تشير بعض الشواهد المناخية والأثرية – جَنّات تتخللها الأنهار، قبل أن يطرأ عليها الجفاف، فيغدو لزامًا على أهلها أن يغادروا نحو الشمال، بحثًا عن بيئات شبيهة بموطنهم الأصلي.
هؤلاء المهاجرون حملوا معهم ما لا يُحصى من الكلمات والرموز، وقد تكيفت هذه الكلمات مع البيئات الجديدة، فخضعت لأحكام الألسنة المستجدة، وتعرضت لتغييرات صوتية ومعنوية، لكنها ظلّت تحتفظ في أعماقها بصلتها بالجذر العربي الأول. وفي هذا الإطار، نعيد قراءة ثلاثة ألفاظ أوروبية أساسية في حقل الكتابة والورق: book (الإنجليزية)، وlivre (الفرنسية)، وleaf (الإنجليزية)، لنتتبع كيف انطلقت من العربية القديمة قبل أن تتشكل في صورها المعاصرة.

من كتاب الى “Book”

الكلمة الإنجليزية book تُرجعها المدرسة الأوروبية للتأثيل إلى الجرمانية البدائية bōkō، ومنها الإنجليزية القديمة bōc، وتربطها بشجرة الزان التي كانت ألواحها تُستخدم للكتابة. لكن إذا تتبعنا المسار الفونولوجي وفق فرضية الأصل العربي، نجد أن الجذر العربي كتب – وهو أصل كتاب – يقدم أساسًا صوتيًا ومعنويًا أكثر مباشرة:
المرحلة الأولى: كتاب (kitāb)
التخفيف الصوتي: سقوط التاء الوسطى لتصبح كاب (kab) في اللهجات المتسارعة النطق.
قلب الأصوات: تبادل موضع الكاف والباء، فتصبح بوك (buk).
التثبيت في الإنجليزية: تحولت buk إلى book مع الإطالة الصوتية في حرف العلة.
بهذا المسار، يصبح “book” في الإنجليزية ابنة مباشرة للجذر العربي “كتب”، بعد أن طوّحت بها موجات الهجرة شمالًا وما تلاها من تغييرات لسانية.

من لفافة الى “Livre” الفرنسية

في الفرنسية الحديثة، livre تعني “كتاب”، وأصلها اللاتيني liber الذي كان يعني القشرة الداخلية للشجر التي استُخدمت للكتابة. لكننا إذا نظرنا في العربية، نجد الجذر لفّ، الذي يدل على الطيّ واللفّ، ومنه لفافة، وهي الشكل الأقدم للكتاب قبل اختراع التجليد: أوراق أو مواد كتابية تُلفّ على هيئة أسطوانة.
المرحلة العربية: لفافة (لفّ الشيء حول نفسه).
النقل الصوتي مع التخفيف: “لف” → ليف (ليف النخيل، الذي يستعمل للربط والحزم).
الانتقال إلى اللاتينية: تحول ليف إلى liber مع إبدال الفاء بالـ b، وهو إبدال مألوف في كثير من اللغات.
التطور الفرنسي: liber اللاتينية → livre الفرنسية، محافظة على جذر اللفّ كمفهوم أساسي للكتاب.
هكذا، نجد أن “livre” الفرنسية ليست سوى انعكاس شمالي للجذر العربي “لفّ”، وقد حافظت على صورة الكتاب الملفوفة أو المجمّعة قبل أن تتحول إلى المجلد المعروف.

من لفَّة الى “Leaf”

الكلمة الإنجليزية leaf، بمعنى “ورقة”، تعود في التأثيل الأوروبي إلى الجرمانية البدائية laubaz، التي ترتبط بفكرة الانفصال أو التقشير. غير أن العربية تقدم لنا جذراً قريبًا في اللفظ والمعنى: لفة، وهي الوحدة المفردة من اللفافات، التي إذا اجتمعت صارت كتابًا.
المرحلة العربية: لفة (جزء ملفوف من مادة الكتابة).
في سياق الكتاب: اللفافة الكبيرة تتكون من عدة لفّات، كلّ واحدة منها أشبه بما نسميه اليوم “صفحة”.
الانتقال الصوتي: لفة → ليف (مع إمالة الفاء في بعض اللهجات).
في الإنجليزية: leef → leaf، مع تحول المعنى من جزء من اللفافة إلى “ورقة” منفصلة، سواء كانت من نبات أو من كتاب.
هنا نجد أن الورقة النباتية والورقة الكتابية تتحدان في الأصل: كلاهما “لفة” صغيرة انفصلت عن الكلّ.

الذاكرة الحية للكلمات

تتضح من هذه الأمثلة الثلاثة وحدة الخيط الذي يربط مفردات الكتابة في الشمال بأصولها في الجنوب. فـ book وlivre وleaf ليست مجرد كلمات متشابهة دلاليًا، بل هي بقايا صوتية ودلالية من معجم عربي قديم حمله المهاجرون الأوائل من بيئتهم الجنوبية الغنية بالماء والنبات، ثم أعاد الشمال صياغته بما يلائم بيئته الجديدة وأصواته المميزة.
بهذا المعنى، فإن تتبع التأثيل اللغوي لا يقتصر على إعادة الكلمات إلى جذورها المعجمية، بل يكشف لنا عن طبقات أعمق من تاريخ الهجرة البشرية، وعن وحدة حضارية قديمة تسبق الخرائط الحديثة، وتدلنا على أن ما نراه اليوم من تمايز بين الشمال والجنوب هو طارئ أمام ذاكرة اللغة التي تظل أوفى من الجغرافيا.

أضف تعليق