نحو مقاربة تأثيلية بديلة… من “سَطَرَ” إلى “Story” و”Storia”

تحتكر المدرسة الأوروبية للتأثيل اللغوي، منذ القرن التاسع عشر، مسارًا أحادي النظرة في تتبع أصول الكلمات، غالبًا ما يبدأ من الإغريقية، ويُمرَّر باللاتينية، ليصبَّ في اللغات الأوروبية الحديثة، دون أن تأذن هذه المدرسة لنفسها بمجرد الالتفات إلى الضفاف الجنوبية والشرقية للمتوسط، حيث ترقد جذور لغوية موغلة في القِدم، ومهملة في الوقت ذاته.
ولعلّ من الأمثلة الصارخة على هذا الانغلاق التأثيلي تلك السلسلة من الكلمات الأوروبية المتقاربة في اللفظ والمعنى:
story وhistory في الإنجليزية،
histoire في الفرنسية،
storia في الإيطالية،
جميعها تُرجعها المدرسة الكلاسيكية إلى الكلمة الإغريقية ἱστορία (historia) التي تعني “التحقيق، المعرفة، السرد”، والمشتقة بدورها من ἵστωρ (histor) أي “الشاهد العارف”. لكن، ماذا لو كانت هذه الكلمة الإغريقية نفسها ليست إلا صورة محوَّرة ومُقترَضة من جذرٍ أقدمَ وأعمق؟ جذرٍ ما تزال العربية تحفظه في وضوحه الأول: سَطَرَ.

“سَطَرَ”… حيث تبدأ الحكاية

في لسان العرب، سَطَرَ تعني كتبَ ودوَّن، ومنها قوله تعالى:
“ن ۚ والقلمِ وما يَسْطُرُون” [القلم: 1]
ومن هذا الجذر تولّدت كلمة “أُسطورة” وجمعها “أساطير”، بمعنى السرد المكتوب، سواء أكان حقيقياً أم متخيلاً، كما في قوله تعالى:
“إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ” [الأنعام: 25]
فالأسطورة، من حيث البنية والمعنى، ليست إلا ما سُطّر من حكايا الأقدمين، سواء كانت علماً أو خيالاً، وهنا يكمن الرابط الحاسم.
فـ”سَطَرَ” ليست مجرد فعل كتابي، بل نقطة الانطلاق في تشكّل الوعي السردي والتاريخي، إذ إن كل سرد – تاريخياً كان أو خيالياً – لا يتحقق إلا حين يُسطّر.

نحو خريطة تأثيلية معاكسة… من الجنوب إلى الشمال

إذا أخذنا هذا الجذر العربي “سطر” أساسًا، يمكننا اقتراح مسار تأثيلي بديل يبدو منطقياً على النحو التالي:
الجذر العربي “سطر” ينتج:
أسطورة / أساطير = نصوص مكتوبة (قد تكون خيالية)
هذا المفهوم يُنقل بفعل التبادل الثقافي واللغوي شرقاً وغرباً:
في العصور الهلنستية والشرق الأدنى، يترجم الجذر إلى الإغريقية بصيغة historia
لاحقاً، ينتقل إلى اللاتينية بنفس اللفظ: historia
في اللغات الرومانسية، يُخفَّف أو يُختصر اللفظ إلى:
histoire في الفرنسية
storia في الإيطالية
story في الإنجليزية، عبر الفرنسية القديمة
وبذلك، فإن ما تُسميه المدرسة الأوروبية history بوصفه “بحثًا وتحقيقًا”، وstory بوصفه “حكاية وسردًا”، ليس سوى تفرّعين معنويين من الجذر الأقدم سَطَرَ، الذي يجمع بين الكتابة والحكاية والتاريخ في آن.

حين يُستأنف العقل التأثيلي… دعوة للتحرر من المركزية الأوروبية

هذه المقاربة ليست فقط مغامرة لغوية، بل دعوة منهجية إلى تحرير التأثيل من المركزية الإغريقية-اللاتينية التي فرضت قطيعة مصطنعة بين اللغات “السامية” واللغات “الهندو-أوروبية”، وكأن لا صلة حضارية أو لغوية تجمع بين سكان المتوسط، وكأن التيارات الثقافية لم تتدفق قط من الجنوب إلى الشمال.
فما من مانع عقلي أو لُغوي أن يكون الجذر العربي “سطر” قد تسرّب عبر الترجمة أو التبادل إلى الإغريقية في عصور متقدمة، ثم أُعيد تصديره إلينا منبوذاً بزيّ يوناني!

إعادة السرد إلى أصله

إنّنا، إذ نقترح هذا الأصل العربي البديل لسلسلة الكلمات الأوروبية (story – history – storia – histoire)، لا ننكر المسار الإغريقي-اللاتيني الظاهر، بل نحفر تحته، بحثاً عن الجذر الأول، ذلك الذي حفظته العربية في وضوحه الصافي: “سطر”.
وإذا كان “التأريخ” هو سرد ما حدث، و”الأسطورة” هي سرد ما اختُلق، فإن كليهما لا يكون إلا بما يُسطر، وكلاهما – على اختلاف مقاصده – ينتمي إلى الوعي البشري ذاته: وعي الكتابة.
وهكذا، فإن تأصيل الكلمة لا يجب أن يكتفي بما يقوله المتأخرون عنها، بل بما سطّره الأوّلون.

أضف تعليق