الإنسانُ صانعُ الأوهامِ أم صنيعتُها؟

تصرُّ المدارسُ التطورية السائدة على مقاربةِ الإنسان آخذةً بنظرِ الاعتبارِ ماضيه التطوري داخلَ عالَمِ الحيوان فحسب. وبناء على هذه المقاربة المجحِفة بحقِّ الإنسان، فإنَّ السلوكياتِ البشرية، من أفعالٍ وردودِ أفعال، لا نحتاج للتعليلِ لها غير أن نتتبَّعَ مسارَها التطوري منذ بداياتِ الإنسانِ التطورية يومَ خطا خطوتَه الأولى على طريقِ النشوءِ والارتقاء داخل عالَمِ الطبيعة. ومقاربةٌ مؤدلجةٌ كهذه لم تأخذ بنظرِ الاعتبار حقيقةَ كونِ الإنسان يشتملُ على سلوكياتٍ لا نظير لها عند الحيوان، ولا مغزى تطورياً لها، وبالمعنى الذي يجعل لنشوئها وارتقائها من ماضيها الحيواني إلى حاضرِها البشري ذا منفعةٍ تطورية للإنسان. فما الذي تعود به على الإنسان سلوكياتٌ وميزات تيسِّر له سبلاً للتعاملِ مع بيئتِه لن تزيدَه إلا نأياً عن التفاعلِ المُجدي مع مفرداتِها ومتغيراتِها، وبما ينسحب بالتالي عليه عجزاً متفاقماً عن أن تصدرَ عنه ردودُ أفعال تكفل له إحكامَ سيطرتِه على الموقفِ قيد التشكُّل، أو الظرف الذي قُيِّضَ له أن يرسِّخَ وجودَه ويضربَ بجذورِه عميقاً في أرضِ الواقع؟ فهل للأوهامِ أيُّ منفعةٍ تطورية حتى تجريَ المحافظةُ عليها وتزويدِها بكلِّ ما من شأنِه أن يجعلَ الإنسانَ الواهم منقطعَ الصلة بواقعِه المعيش؟ وهل الإنسانُ هو مَن يصنعُ أوهامَه أم أنَّه هو في حقيقةِ الأمر صنيعةُ هذه الأوهام؟ ألا يُجيبُنا على هذا التساؤل أن نستذكرَ الحقيقةَ التطوريةَ التي مفادها أنَّ الإنسانَ هو الكائنُ الوحيد الذي طوَّرَ آليةً تكفل له أن يُنتِجَ أوهاماً لا تلبث أن تُحكمَ سيطرتَها عليه فتجعلَه يؤثر عالَمَها على عالَمِه وباطلَها على واقعِه؟
إنَّ مقارنةً موضوعية بين الحيوانِ، العاجزِ عن أن يصنعَ أوهاماً سرعان ما يصبح صنيعتَها، وبين الإنسانِ، الذي ابتُلي بنفسٍ تجنح به على الدوام لأن تجيءَ أفعالُه وردودُ أفعالِه مشوبةً بشيءٍ من أوهامِها التي لا تبرعُ في شيءٍ قدرَ براعتِها في صنعِها وجعلِها تأسرُ الإنسانَ ببهرجِ نسيجِها وزخرفِ حبائلِها، لابد وأن تنتهيَ بنا إلى الجزمِ بيقينٍ لا يخالطُه شك بأنَّ مسيرةَ الإنسانِ التطورية لم تكن تماماً كما “توهمها” العلماءُ التطوريون. فلابد لنا، والحال هذه، أن نفترضَ أن هنالك تحويلةً تطورية Evolutionary detour حدث جراءها ما ليس بوسعِنا أن نتبيَّنه على وجهِ الحقيقة؛ فكلُّ ما بمقدورِنا أن نفعلَه حيالها لا يعدو أن يكونَ تبرأةً لساحتِنا من جريرةِ مشاركتِنا المقاربةَ التطوريةَ السائدة “وهمها” بأنَّ رحلةَ الإنسانِ داخل عالَمِ الطبيعة كانت سلسلةً لا تشوبها أيُّ مطباتٍ ولا يعترض طريقَها أيُّ تحويلات.

أضف تعليق