
يُعَدّ الحب بين الذكر والأنثى من أكثر الظواهر الإنسانية إرباكًا للباحثين في علم الأحياء التطوري وعلم النفس التطوري. ففي حين أن العلاقة بين الجنسين في عالم الحيوان تسير وفق مسارات محددة بصرامة آليات الانتخاب الطبيعي (Darwin, 1859)، نجد أن الحب البشري قد تجاوز هذه الحدود ليصبح ظاهرة اجتماعية ـ ثقافية تتداخل فيها الأبعاد البيولوجية والوجدانية والرمزية. هذا التعقيد يجعل من الحب ظاهرة عصية على التفسير التطوري البسيط، بل ويمثل نقطة خروج الإنسان عن قوانين الطبيعة التي صاغته.
الدراسات السلوكية على الرئيسيات (Trivers, 1972؛ de Waal, 1995) تؤكد أن العلاقة بين الذكر والأنثى تخضع لاقتصاد طبيعي صارم؛ حيث لا مكان للهدر أو الإفراط في السلوكيات غير الوظيفية. الغيرة، مثلًا، هي رد فعل تطوري مضبوط يحافظ على التوازن بين بقاء الفرد وضمان التكاثر. فهي تمنع تعدد الشركاء بما يهدد نقاء النسل، لكنها لا تصل إلى حد الإيذاء المفرط أو القتل كما يحدث في بعض العلاقات البشرية (Daly & Wilson, 1988).
إن ما يحكم هذه العلاقات في الحيوان هو مشروع الطبيعة الواضح: التكاثر وضمان استمرار الجينات. ولهذا تبقى العلاقة محدودة الهدف، بعيدة عن التعقيدات الشعورية التي تميز الإنسان.
مع الإنسان، تحولت هذه العلاقة إلى فضاء مليء بالتناقضات. فقد تداخلت فيها البنى النفسية والثقافية لتجعل من الحب “حزمة” غير متجانسة من:
الرغبات الجنسية (Freud, 1921)،
التعلّق العاطفي (Bowlby, 1969)،
التوقعات الاجتماعية (Giddens, 1992)،
والخيالات الرومانسية التي غذّتها الأساطير والأدبيات والفنون.
لقد صار الحب أكثر من مجرد آلية للتكاثر؛ أصبح رمزًا للهوية الفردية والجماعية، ومسرحًا لصراع الرغبات وتناقض المشاعر. وفي حين أن الانتخاب الطبيعي يهدف إلى ضمان البقاء، نجد أن الحب البشري أحيانًا يدفع الأفراد إلى خيارات تضر ببقاء النوع أو حتى بقاء الفرد نفسه (مثل الانتحار العاطفي أو جرائم “الجرائم العاطفية”).
أمام هذا الخروج الإنساني عن قوانين الطبيعة، جاء الدين بمنظومة قيمية تهدف إلى إعادة ضبط العلاقة بين الذكر والأنثى. فالقرآن الكريم لم يستخدم مصطلح “الحب” في وصف الزواج، بل تحدث عن السكن والمودة والرحمة:
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].
كما شبّه العلاقة الزوجية بلباس يغطي ويحمي:
{هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187].
في المقابل، أشار القرآن إلى الحب الشغوف باعتباره انحرافًا يقود إلى الضلال، كما في قصة امرأة العزيز:
{قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 30].
هذا التفريق بين “المودة والرحمة” و”الشغف” يعبّر عن محاولة دينية ـ أخلاقية لفصل الحب البناء عن الحب الهدّام، وإعادة هذه العلاقة إلى غايتها الإنسانية السليمة: الاستقرار والسكينة.
تؤكد بعض المقاربات الفلسفية الحديثة أن الحب ليس سوى “بناء رمزي” أو “اختراع اجتماعي” (Foucault, 1976؛ Illouz, 1997)، وأنه لا يمتلك مضمونًا ثابتًا، بل هو انعكاس للتصورات الثقافية المتغيرة. وهو ما تجلى في الأغنية الألمانية الشهيرة: Liebe ist nur ein Wort (“ما الحب إلا كلمة”)، التي تختزل التعقيد البشري في رؤية متشائمة ترى الحب مجرد لفظة تفتقر إلى المعنى الموضوعي.
يمكن القول إن علاقة الحب بين الذكر والأنثى في عالم الإنسان هي تعبير صارخ عن خروجه على الطبيعة. فهي لم تعد مجرد آلية بيولوجية تضمن استمرار النوع، بل تحولت إلى ظاهرة ثقافية ـ نفسية مشبعة بالتناقضات، تحمل في طياتها التعاسة بقدر ما تحمل من وعود بالسعادة. ومن هنا تبرز أهمية الدين والأخلاق كآليات لتصحيح مسار هذه العلاقة، وإعادتها إلى بعدها الحقيقي العميق القائم على المودة والرحمة، لا على الشغف والانجراف وراء الأوهام.
