لغة الموت والجريمة: رحلة في الذاكرة القديمة للإنسان

1. اللغة كمرآة للغريزة الأولى
ليست اللغة أداة تَسمية للأشياء فحسب، بل هي السجل الذي حفظ أول رجفات الوعي الإنساني وهو يواجه ظواهر الوجود الكبرى: الحياة، والموت، والذنب. فحين ينطق الإنسان بكلمة “موت” أو “جريمة”، لا يستدعي حدثًا عارضًا، بل يُعيد استحضارَ أول لحظةٍ في التاريخ أدرك فيها أن حياته ليست أبدية، وأن فعله يمكن أن يُثقل كاهله بالذنب.
وهكذا تصبح الكلماتُ شظايا من تلك الذاكرة الأولى، تَعبُر اللغات والأزمان، وتحتفظ بجذورها في التربة التي نبت منها الإنسانُ ذاته.
2. من “جَرَم” إلى Crime: الذنب بوصفه اقتطاعًا من الحلال
في عمق الكلمة الإنجليزية crime يسكنُ صدى الكلمة العربية جَرَم. فالفعل “أجرم” لا يصف مجرّد انتهاك قانون، بل اقتطاعًا من الحلال إلى الحرام، من الضوء إلى الظلّ.
حين خفَّ صوت الجيم إلى سين (g → s/c) في رحلته نحو الغرب، بقيت الراء والميم شاهدتين على الأصل.
لم تفقد الكلمة معناها الجوهري: فعلُ اقتحامٍ لحدودٍ لا يجوز تجاوزها.
إنها ليست كلمة قانون، بل كلمة ضمير؛ جرحٌ أخلاقيٌّ في جسد الإنسان قبل أن تكون حكمًا قضائيًّا في محكمةٍ ما.
3. من يُردي إلى Die: الزوال بوصفه استسلامًا طبيعيًّا
أما الكلمة die، فهي صدى آخر لذاك الفعل العربي العريق يُردي ويُودي، حيث الموت ليس انقطاعًا فجائيًا بل انحدارًا بطيئًا نحو السكون.
في العربية، يقال: أودى بحياته، يُردي قتيلاً، يُؤذي، يذوي — كلها أفعال تنتمي إلى حقلٍ واحد، هو حقل الزوال والاضمحلال.
ولعل هذا المعنى الباطن هو ما حفظته die: فالموت ليس نهاية، بل فعلٌ من أفعال الطبيعة، عودةٌ إلى الصمت الأول.
4. Death وTod: تعدّد الألسنة ووحدة الفناء
تتجاور الكلمتان death و Tod في اللغتين الإنجليزية والألمانية كأخوين شقيقين اختلفت ملامحهما وبقي دمهما واحدًا.
في جوهرهما تسكن الكلمة العربية يُودي، بتركيبها الصوتي القريب (D ↔ T، Th ↔ D).
كلاهما يرسم صورة النهاية: انقطاع النفس، وعودة الجسد إلى أصلِه.
هكذا تتحد اللغتان الجرمانيتان في استعادة معنىٍ عربيٍّ قديم، حيث الموت انتقال لا فناء، وانطفاء لا انمحاء.
5. Sterben: من القبر إلى الفعل
أمّا الكلمة الألمانية sterben (يموت)، فهي من أكثر الألفاظ الأوروبية دلالةً على الصنعة اللغوية العميقة.
فهي – في مسارها التأثيلي – تعود إلى الجذر العربي قَبَر.
تحوّلت القاف إلى كاف ثم إلى سين، تبادل الباء والراء موضعهما، وتشددت السين لتصبح st، فانبثقت الكلمة الجديدة.
كأنّ الفعل في أصله هو ما بعد الموت، لا الموت ذاته. فالموت في الوعي الإنساني لم يكن يومًا سوى لحظةِ دفن، لحظةِ عودةِ الجسدِ إلى الأرض.
ومن القبر وُلد الفعل، ومن الدفن وُلد الموت كحدث لغويٍّ قبل أن يُصبح تجربة حسّية.
6. Mort: الكلمة التي لم تتغيّر
في mort الفرنسية، نكاد نسمع الكلمة العربية موت كما هي، دون تبديل سوى في النغمة.
لم تُبدّلها القرون ولا اللهجات، لأنها تمسُّ أعمق ما في الإنسان من خوفٍ وسكينةٍ معًا.
فالموت كلمة لا يملك التاريخ أن يُعيد كتابتها.
لقد نطقت بها كل الألسن تقريبًا، بصيغ متقاربة، كأنها تذكّر الإنسانَ بأصلٍ مشتركٍ لا فكاك منه: أصلِ الفناء الذي يجمعنا قبل الحياة وبعدها.
7. Tuer وDie: القتل امتداد للموت
الكلمة الفرنسية tuer، بمعناها “يقتل”، تشترك مع die في الأصل ذاته: يُردي ويُودي.
التحول الصوتي فيها من الدال إلى التاء ليس أكثر من اختلافٍ في اللهجة.
فكأنّ اللغة تقول: من يُردي غيره يُودي بنفسه أيضًا، فالقتل ليس إلا وجهًا آخر للموت، امتدادًا له لا نقيضًا.
هكذا تلتقي الفعالية المميتة في كلاهما، كأن الإنسان حين سمّى الموت سمّى معه يدَه القاتلة.
8. ما وراء الحروب الصليبية: اللغة كذاكرة هجرةٍ قديمة
قد يُغري هذا التشابه بعض الباحثين بالقول إن العربية تركت أثرها في أوروبا عبر الحروب الصليبية أو الرحلات التجارية في حوض المتوسط.
لكن هذا التفسير العابر لا يصمد أمام طبيعة هذه المفردات.
فهي لا تنتمي إلى التجارة أو العلم أو الفنون، بل إلى جوهر الوعي الإنساني، إلى تلك اللحظة الأولى التي واجه فيها الإنسان الموت والذنب والقتل.
إنها ليست استعارةً ثقافية، بل أثرٌ أنثروبولوجيٌّ في اللغة نفسها.
ومن ثم فإن حضور هذه الكلمات في اللسان الأوروبي لا يمكن أن يكون وافدًا متأخرًا، بل هو بقايا هجرةٍ بشريةٍ قديمةٍ حملت لغتها في فكرها ووجدانها، قبل أن تحملها في أفواهها.
9. اللغة كمرثية للإنسان الأول
حين نُصغي إلى هذه الكلمات في تعددها (crime, die, death, Tod, sterben, mort, tuer) نسمع في أعماقها لحنًا واحدًا.
إنها مرثية الإنسان الأول وهو يُسمّي ما يخافه، ويضع له شكلًا صوتيًا كي يتعامل معه.
لقد صنع اللغة من رعبه، ثم حملها معه في ترحاله الطويل، فأصبحت اللغاتُ الحديثة كلها تذكاراتٍ من تلك الرحلة الأولى، حين كان الإنسان يُجاهد لأن يفهم سرّ موته وذنبه في آنٍ واحد.

ليست هذه الكلمات الأوروبية مجرّد ألفاظٍ متشابهة مع العربية، بل هي شواهد على وحدة التجربة الوجودية التي صاغت اللغة في بداياتها.
ففي عمقها يلتقي الخوف مع الاعتراف، والموت مع الذنب، والإنسان مع لغته.
لقد كانت العربية – في أقدم صورها – لغةَ العاطفة الأولى أمام المجهول، ولذلك تسلّلت جذورها إلى كل لسانٍ نطقه الإنسان فيما بعد.
فاللغة، مثلنا، تموت وتُبعث، ولكنها لا تنسى من أين جاءت.

أضف تعليق