في تفنيدِ الزعمِ القائل بتمايزِ الكتبِ الإلهية بعضِها عن بعض

شاعَ في الناسِ وذاع رأيٌ مفادُه أنَّ الكتبَ الإلهية تتمايز فيما بينها بتمايزِ المراحلِ التطورية التي تعيَّنَ على العقلِ البشري أن يجتازَها في رحلتِه من التبسيطِ إلى التعقيد. ويبرر هذا الرأيُ لوجاهتِه بأنَّ هذه الكتب لابد وأن يتساوقَ محتواها مع مرحلةٍ تطورية تقتضي مستوىً معيناً من التعليمِ الإلهي يكون بمقدورِ العقلِ البشري فيها أن يتعاملَ معرفياً معه التعاملَ الأمثل. فالعقلُ البشري، وفقاً لهذا الرأي، وهو في بدايةِ رحلتِه المعرفية، لم يكن بمقدورِه أن يفقهَ من التعليمِ الإلهي ما أصبح بمقدورِه أن يفقهَه لاحقاً، ومن بعد أن قطع مراحلَ متقدمة على الطريق إلى النبوغِ العقلي. ولذلك كان الإنجيل، كما يزعم هذا الرأي، أكثرَ قدرةً من التوراة على مخاطبةِ العقلِ البشري في زمانٍ امتلأ بفلسفاتِ اليونان وثقافةِ الرومان، وتشبَّعت أجواؤه بنقاشاتٍ فكرية زادتها حدةً قرونٌ من المجادلات بين أتباعِ الأديان التي كان الشرقُ يعجُّ بها. ويلزمُ عن هذا الرأي، بداهةً، أن يكونَ بوسعِ القرآن أن يتصدى لما أصبح عليه العقلُ البشري بعد انقضاءِ ما يقرب من ستةِ قرون على مخاطبةِ الإنجيل لعقولِ أهلِ العصرِ الذي شهدَ تنزُّلَه.
لقد فات أصحابَ هذا الرأي أن يستذكروا ويتدبروا ما ورد في القرآن من حقائق تتعارضُ مع رأيهم هذا. فالقرآنُ يُرينا في مواطنَ منه كثيرة أنَّ اللهَ تعالى قد خاطبَ الناسَ في كلِّ عصرٍ بذاتِ الخطاب:
1- (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) (18- 19 الأعلى).
2- (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) (43 فصلت).
3- (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) (من 9 الأحقاف).
4- (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ) (من 48 المائدة).
وإذا كان القرآنُ مصدِّقاً لما بين يدَيه من الكتاب، أي متوافقاً مع كلِّ ما أنزل اللهُ من كتاب، فإنَّ الإنجيلَ قد أنزلَه اللهُ تعالى مصدِّقاً لما بين يدَيه من التوراة: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) (من 6 الصف).
يتبيَّن لنا إذاً أنَّ الكتبَ التي أنزلَها اللهُ تعالى على البشر لم تأخذ بنظرِ الاعتبار فوارقَهم العقلية وتمايزاتِهم الفكرية ومستوياتِهم الحضارية، كما يزعم أنصارُ الرأي القائل بتمايزِ هذه الكتب بعضِها عن بعض وفقاً لما تتمايزُ به المراحلُ المختلفة التي مرَّ بها تطورُ العقلِ البشري. هذا من جانب، ومن جانبٍ آخر فلقد فات أنصارَ هذا الرأي أن يتبيَّنوا الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادها أنَّ الكتبَ الإلهية إذ تتوجَّه إلى الإنسانِ بمخاطبةِ عقلِه، فإنها في حقيقةِ الأمر إنما تخاطبُ نفسَه. فإذا كان عقلُ الإنسانِ قد تطورَ معرفياً وإدراكياً عبر أكثر من ستة آلافِ عامٍ من الضخِّ الفكري والمعرفي الذي جاءت به الحضاراتُ المتعاقبة، فإنَّ النفسَ البشرية ظلَّت على حالِها الأول ولم تتغير على الإطلاق. وبرهانُ ذلك أنَّ الإنسانَ اليوم يعتمل داخل نفسِه من متضاربِ المشاعر ومتناقضِ الأحاسيس ومتصارعِ العواطف ما كان يعتمل داخل نفسِ ابنِ آدم من صراعاتٍ وجدانية، وانفعالاتٍ هوجاء غير منطقية، أسلم لها قيادَه وامتثل لِما أمرته به، فما كان منه إلا أن بسطَ يدَه إلى أخيه بالسوءِ فقتلَه، فأصبح بذلك من النادمين الخاسرين.
فالرسالةُ الإلهية هي ذاتُها في كلِّ زمان لأنَّ النفسَ البشرية، وهي المخاطَبة بهذه الرسالة، هي ذاتُها في كلِّ زمان.

أضف تعليق