الضعف الإنساني… تشخيص الفلسفة ورؤية العلم المعاصر

لطالما شغل الضعف الإنساني (Human Frailty) فكر الفلاسفة والمفكرين، إذ لم يُنظر إليه على أنه مجرد نقص عابر، بل كخاصية وجودية جوهرية تُحدد شكل التجربة البشرية. لقد تباينت المقاربات لتشخيص هذا الضعف، بدءاً من كونه عيباً أصيلاً في الطبيعة البشرية وصولاً إلى اعتباره نتاجاً اجتماعياً أو قصوراً معرفياً يمكن تجاوزه.
شهدت بدايات الفلسفة تشخيصات متباينة لأصل الضعف:
• الأصول الميتافيزيقية/الأخلاقية: رأى فلاسفة مثل أفلاطون أن الضعف ينبع من انغماس الروح في الجسد المادي وعالم الظواهر الزائل، مبتعدةً عن عالم المُثل (Ideas) الكامل. الضعف هنا هو جهل أو قصور في الإدراك. أما في الفلسفات الدينية، كما عند القديس أوغسطين، فالضعف متأصل في الخطيئة الأصلية، وهو عجز إرادي وأخلاقي. العلاج المقترح كان عبر التأمل، العقلانية، أو الخلاص الديني.
• الأصول الطبيعية/العقلانية: مع عصر التنوير، ظهرت مقاربات مثل مقاربة توماس هوبز الذي رأى أن الضعف الإنساني يتجلى في الأنانية والخوف، مما يقود إلى “حرب الكل ضد الكل” في حالة الطبيعة. العلاج هو العقد الاجتماعي والسلطة المطلقة (الليفياثان) لكبح جماح هذا الضعف. وناقض جان جاك روسو ذلك، حيث رأى أن الإنسان ولد خيراً، وأن الضعف نتاج المجتمع الفاسد والحضارة التي أبعدته عن فطرته السليمة.
• الوجودية والفينومينولوجيا: في القرن العشرين، طرحت الفلسفة الوجودية (مثل سارتر وهايدجر) تشخيصاً مغايراً. الضعف ليس خطيئة أو نقصاً، بل هو خاصية وجودية نابعة من الحرية المطلقة والمسؤولية تجاه الاختيار، مما يولّد القلق والعدمية. العلاج المقترح هو الأصالة (Authenticity) ومواجهة هذا القلق بدلاً من الهروب منه.
تتناول الفلسفة المعاصرة الضعف من منظور أكثر تركيبية، غالباً ما يتداخل مع العلم:
• الفلسفة الأخلاقية المعاصرة: تركز على الضعف كـهشاشة (Vulnerability) تتطلب العناية والعدالة الاجتماعية. الضعف ليس عيباً فردياً بل حالة إنسانية تستدعي بناء مؤسسات تضامنية.
• ال ما بعد-إنسانية (Posthumanism): ترى في الضعف حتمية بيولوجية ونقصاً مادياً، وتدعو إلى تجاوزه عبر التكنولوجيا (الذكاء الاصطناعي، الهندسة الوراثية). هنا، الضعف هو حد بيولوجي يجب اختراقه.
ينظر العلم المعاصر إلى ما يُسمى “الضعف الإنساني” عبر عدسات متعددة، وهو ما يحدد طبيعته:
• علم النفس (Psychology): يرى الضعف كتجلي للقصور المعرفي (Cognitive Biases)، والاضطرابات النفسية، والاستجابات العاطفية كالقلق والاكتئاب. هذا الضعف ليس حكماً أخلاقياً بل خللاً في التكيف (Maladaptation) أو قصوراً في التنظيم الانفعالي (Emotional Regulation).
• علم الأعصاب (Neuroscience): يشير إلى أن الضعف له أساس بيولوجي موضوعي؛ فمثلاً، القدرة المحدودة للعقل الواعي على معالجة المعلومات، أو سيطرة الجهاز الطرفي (Limbic System) على القرارات في مواقف الخطر، هي تجليات موضوعية للضعف تحددها بنية الدماغ والتطور.
• علم الاجتماع (Sociology): يرى الضعف في سياق الأنظمة الاجتماعية والقوة، حيث يمكن أن يكون شعور الفرد بالضعف نتاجاً للهيمنة الاجتماعية، أو التهميش الطبقي/العِرقي.
إذاً فإن العلم المعاصر يقر بأن الضعف الإنساني هو مزيج من القيود البيولوجية الموضوعية (كقصور فيزيولوجي)، والتفسيرات الذاتية/الاجتماعية (كالشعور بالعجز أمام المعايير الثقافية).
ولكن، هل بمقدور الإنسان أن يبرأ من تداعيات الضعف؟
من منظور فلسفي-وجودي وعلمي معاصر، البراءة المطلقة من تداعيات الضعف الإنساني (كالهشاشة البيولوجية والموت) غير ممكنة حالياً، إلا إذا تحول الإنسان إلى كائن ما بعد-بيولوجي (Post-Biological).
العلاج المعاصر يرتكز على التعايش والتكيف:
• العلاج النفسي والمعرفي: يهدف إلى تغيير التصورات السايكولوجية للضعف، بتحويل الأخطاء المعرفية إلى فرص تعلم، وتقبّل القلق كجزء من الحياة.
• الطب الحيوي: يسعى إلى تخفيف التداعيات الموضوعية عبر إطالة العمر، علاج الأمراض، والهندسة الوراثية (مما يقلل الضعف الموضوعي).
• العلاج الاجتماعي: يركز على بناء مجتمعات مرنة (Resilient) تقلل من الشعور بالضعف الناتج عن الفقر أو التمييز، عبر تعزيز التضامن والعدالة.
في الختام، يمثل الضعف الإنساني تحدياً مركباً: جزء منه حتمي (البيولوجيا)، وجزء منه مُكتسب (التصورات). بينما تسعى الفلسفة المعاصرة إلى تقبّله وإعادة تعريفه كقوة للتعاطف والتضامن، يعمل العلم جاهداً على تخفيف تجلياته عبر المعرفة والتكنولوجيا.

أضف تعليق