
الأصلُ في التحريمِ الإلهي موصولٌ بما فيه منفعةُ الناس، أما وأنَّ البشرَ قد ابتلاهم اللهُ تعالى كلَّهم جميعاً بنفسٍ فيها من العطبِ أكثر مما فيها من الصلاحِ والرشاد. ولذلك جاء السوادُ الأعظم من أوامرِ التحريم الإلهية في القرآنِ العظيم في تمامِ التوافقِ والتطابق مع ما يقتضيه أمرُ إصلاحِ هذه النفس وإرشادِها إلى ما يكفل لها أن تحظى بنمطٍ من الوجودِ هو غيرُ ذاك الذي يولَد الإنسانُ به. فكلُ إنسانٍ يولَد وقد ابتلاه اللهُ تعالى بهذه النفس المعطوبة التي لا ينفع معها عقلٌ سليم ولا يفتُّ في عضِدِها منطقٌ قويم. ويخطئُ كلُّ مَن يظنُّ أنَّ الإنسانَ، المبتلى بهذه النفس، ليس بمقدورِه أن يقفَ بوجهِها فيعارضَها ويأبى أن ينصتَ لما تأمرُه به وهي التي لا تأمرُ إلا بالسوء. فالإنسانُ يجيءُ إلى هذا العالَم مزوداً بإرادةٍ إن قام بتفعيلِها، فحملَها على مجابهةِ النفس، مستعيناً على ذلك بما أنزلَه اللهُ تعالى من تقنياتٍ تعبدية إن هو تديَّنَ بها كان له أن يتصدى لها ويأمنَ بذلك مكرَها وشرَّها وغدرَها، وإلا فلن ينتهيَ به الأمرُ معها إلا بأن يصبحَ خادماً لأهوائها مطيعاً لأوامرها.
ولكن، إذا كانت أوامرُ اللهِ تعالى تندرج ضمن هذه التقنياتِ التعبديةِ التي صاغَ بها اللهُ تعالى النظامَ الذي يتعيَّن على كلِّ إنسانٍ أن يتديَّنَ به حتى يُكتبَ له النجاح في تعاملِه مع هذه النفس، فإنَّ هذا لا ينبغي أن يجعلَنا نجزم بأن اللهَ تعالى لم يحرِّم على البعض من خَلقِه ما أحلَّه لغيرِهم. فالقرآنُ العظيم يُنبئُنا بما كان من البعض من بني إسرائيل الذين تعدَّوا حدودَ الله فعاجلَهم اللهُ بعقوبةٍ تضمَّنت تحريماً لما كان قد أحلَّه لهم من قبل: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) (146 الأنعام).
فللتحريمِ الإلهي إذاً وجهٌ آخر يكون فيه عقوبةً تنطوي على رحمةٍ لِمن تبيَّنَها على هذه الحقيقة فعقدَ العزمَ، وتوكَّل على الله، مدركاً أنَّه لا مفرََ له من عذابِ الله إلا بأن يتَّقِيَه حقَّ تقاتِه فيُعرضَ بالتالي عن كلِّ فعلٍ يجعله محلَّ عقوباتٍ أخرى لن ينفعَه معها ندمٌ ولا حسرات.
