يُنظر إلى نهاية الحرب الأهلية البريطانية (1642–1651) والحرب الأهلية الأمريكية (1861–1865) تقليدياً كنقاط تحول حاسمة نحو الاستقرار السياسي والوحدة الوطنية. ومع ذلك، تُقدم هذه المقالة قراءة مغايرة للتاريخ ما بعد هذه النزاعات فرضية مثيرة للجدل مفادها أن الاستعمار والتوسع العسكري الخارجي لم يكونا مجرد نتائج طبيعية للقوة الاقتصادية أو الحاجة إلى الموارد، بل كانا، في جوهرهما، آلية استراتيجية لإعادة توجيه “العدوان البشري” المتأصل من التقاتل الداخلي إلى الاستهلاك الخارجي. هذه الآلية ضمنت ألا تُراق الدماء الوطنية على الأرض الوطنية مرة أخرى. لقد كانت الحرب الأهلية البريطانية تجربة مريرة كادت أن تُمزق النسيج الاجتماعي والسياسي للمملكة. انتهت المعارك الكبرى بهزيمة الملكيين في عام 1651م، ولكن ظل شبح الانقسام والتقاتل العقائدي يهدد الاستقرار. هنا يبرز دور التوسع الخارجي كحل عملي، وذلك كما يتبين لنا مما يلي:
1. إعادة توجيه الزخم العسكري. فالانتصارات العسكرية التي حققها جيش البرلمان بقيادة أوليفر كرومويل ولّدت قوة عسكرية هائلة. بدلاً من تسريح هذه القوة وخلق خطر تمرد داخلي، تم توجيهها نحو المغامرات الخارجية. أصبحت شركة الهند الشرقية والتوسع في إيرلندا وأمريكا الشمالية “المتنفس” الجديد لهذه الطاقة العسكرية.
2. توحيد الأعداء: لا شيء يوحد الأمة المنقسمة أكثر من عدو خارجي مشترك. تحويل الانقسام بين الملكيين والبرلمانيين إلى انقسام بين “البريطانيين” و “الشعوب الأصلية/المنافسين الأجانب” نجح في صهر الهوية الوطنية في بوتقة التوسع الإمبراطوري.
3. تنفيس العدوانية على أرض بعيدة: سمحت الحروب الاستعمارية بتنفيس غضب الطبقة السياسية والمقاتلة بعيداً عن الجزر البريطانية. أصبحت ساحات المعارك في الهند وإفريقيا والأميركتين هي المستهلك للعدوان البشري، مما حَمى التراب الوطني من تجربة حرب أهلية ثانية. من هذه الزاوية، كان الاستعمار أداة لـ “الأمن الوطني الداخلي”.
وعلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، تتكرر الآلية ذاتها وبقوة أكبر بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية (حرب الانفصال). لقد كشفت تلك الحرب عن خط صدع عميق ودائم في الهوية الأمريكية، وذلك كما يلي:
1. سرعة التحول: فور انتهاء الحرب، شرعت الإدارات الأمريكية بتوجيه الطاقات العسكرية الهائلة التي تكونت خلال الحرب الأهلية. فلقد تم توجيه “العدوان” نحو المكسيك، والتوسع غرباً على حساب الشعوب الأصلية، ثم لاحقاً التوسع الإمبريالي في المحيط الهادئ (الحرب الإسبانية الأمريكية 1898).
2. الاستنزاف في الحروب الكبرى: إن الدخول المتأخر والمكثف للولايات المتحدة في الحربين العالميتين، ثم سلسلة الحروب اللاحقة بدءاً من الحرب الكورية مروراً بفيتنام والشرق الأوسط، يمكن قراءته ضمن هذا الإطار. هذه الحروب المستمرة تضمن استهلاك وتفريغ “العدوانية” في ساحات دولية، مما يُبقي الأمة متحدة نسبياً ومُركزة على تحديات خارجية، بعيداً عن إمكانية تجدد الصدع الداخلي.
وهنا، لابد لنا من أن نشدد على أن هذه القراءة التحليلية لا تهدف إلى نفي العوامل الاقتصادية والسياسية التقليدية للاستعمار، بل إلى إضافة بُعد “نفسي اجتماعي” مظلم ولكنه مؤثر للغاية؛ فالاستعمار والتوسع العسكري كانا بمثابة إقرار سياسي ضمني بوجود “العدوان البشري” كقوة متأصلة في نفس الإنسان، لا يمكن إزالتها، بل يجب إدارتها وإعادة توجيهها. فلقد نجح دهاقنة الفكر السياسي في كلتا الأمتين في التوصل إلى استنتاج واحد مفاده أن “العدوان” إذا لم يجد متنفساً خارجياً، فسوف ينفجر داخلياً مجدداً. وكان الثمن باهظاً بالطبع، فقد دُفِع هذا الثمن من دماء وثروات الشعوب المستعمَرة. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار الحرب الأهلية البريطانية هي آخر حرب أهلية في بريطانيا، لأن النخبة الحاكمة نجحت، ومنذ ذلك الحين، في إيجاد وجهة بديلة للتقاتل البشري.
