
وصف اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم قيامَ آدم بالأكل من الشجرةِ التي كان قد نهاه عنها، وذلك بقولِه: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (121 طه). فهل كان آدمُ يدرك أنه، إذ اختارَ أن يأكلَ من الشجرة، أنه بذلك يكون قد عصى اللهَ ربَّه؟ وهل خطرَ ببالِه أصلاً أنَّ اللهَ تعالى كان قد نهاه عن أن يقربَ تلك الشجرة، فأصرَّ مع ذلك على الأكلِ منها؟ وهل يمثِّل ما قام به آدم معصيةً كأيٍّ من المعصياتِ التي يُقدِم عليها الإنسان مع سابقِ معرفتِه بأنَّ اللهَ قد نهاه عنها؟ وهل انطوت معصيةُ آدم على شيءٍ من التحدِّي والمكابرة اللذين تنطوي على كثيرٍ منهما معاصي الإنسان التي ذكرها اللهُ في قرآنِه؟ وهل هنالك فرقٌ بين معصيةِ إبليس للهِ تعالى، بامتناعِه عن الامتثالِ لأمرِه بالسجودِ لآدم، وبين معصيةِ آدم بأكلِه من تلك الشجرةِ التي نهاه اللهُ عنها؟ ولماذا تاب اللهُ تعالى على آدم وزوجِه، على الرغم من معصيتِهما له، بينما لم يتب على إبليس؟
أسئلةٌ أجابَنا اللهُ تعالى عنها في قرآنِه العظيم بقولِه: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا( (115 طه). فآدمُ إذاً لم يعصِ اللهَ تعالى بأكلِه من الشجرةِ التي نهاه عنها تحدياً وإصراراً ومعاندةً واستكباراً؛ فكلُّ ما في الأمر أنه قد نسيَ أمرَ اللهِ تعالى له بألا يقربَ تلك الشجرة. أما العلةُ من وراءِ توصيفِ اللهِ تعالى لنسيانِ آدمَ هذا بـ “المعصية”، فإنها إنما تعود إلى وصفٍ للعملِ الذي جنته يداه بأكلِه من الشجرة باعتبارِه يمثِّل معصيةً لأمرِ اللهِ تعالى فحسب. وهذا فرقٌ جدُّ عظيم، وهو يكشف لنا الكثيرَ عن آليةِ حُكمِ اللهِ تعالى على بني آدم: ليس وفقاً لأعمالِهم ولكن وفقاً للنيةِ من وراءِ هذه الأعمال. ولذلك أيضاً اختصَّ اللهُ نفسَه بالحُكمِ النهائي على صَلاحِ الإنسان، أو فسادِه، وجعل ذلك حِكراً عليه قراراً مؤجلاً إلى يومِ القيامة.
وبذلك يتضح لنا كم هم مخطئون أولئك الذين افترضوا لأنفسِهم حقوقاً ناجزوا بها اللهَ تعالى بقيامِهم بالحكمِ على الناس، هذا فاسقٌ وهذا تقي، فاستحقُّوا بذلك كبيرَ مقتِ الله لهم.
