
لا يملك المتدبِّر في أحوالِ الإنسان وتقلُّباتِها غير أن يخلصَ إلى نتيجةٍ مفادها أنَّ أحكامَه يغلبُ عليها التسرُّعُ والتعجُّل في جمعِ البيانات والمعلومات، والهرولةُ والمسارعة بغيةَ التوصل للاستنتاجات، ولو انتهى به كل ذلك إلى الوقوع في حبائلِ التعميم والأحكام المتسرِّعة. فالإنسانُ مغرَم بتوصيفِ كلِّ ما يعرض له وتصنيفِه بغيةَ التوصُّلِ إلى قوانين ونظريات تُعينُه على فهمِ نفسِه والإحاطةِ بكلِّ ما يجري من حولِه، وذلك عبرَ إخضاعِ ما تأتى له أن يحصلَ عليه من نتائجَ واستبيانات في سياقٍ يتوهم أنه كافٍ ليكفلَ له أن يكونَ قولُه في كلِّ شيء هو القولَ الفصل!
ولذلك فليس بالمستغرب أن يجزمَ العقلُ البشري باستحالةِ حدوثِ ظاهرةٍ ما، أو يقطعَ بوجوبِ حدوثِ ظاهرةٍ أخرى، أما وأنَّه يمتلك، وفقَ ما يُخيَّلُ إليه ويتوهم، من المعرفةِ بنفسِه وبالعالَم، وبالقوانينِ التي تتحكَّم في الأشياء، ما يمكِّنُه من ذلك. ولذلك أيضاً فقد جزمَ العقلُ البشري، هكذا ومن دون دليلٍ حاسم وبرهانٍ قاطع، باستحالةِ أن يصدرَ عن الإنسان شرٌّ عن غيرِ طريقِ الوسائط التقليدية المتمثلة فيما يصنعه بيدَيه أو ينطقه بلسانِه. ولقد أدى هذا التعنُّت في التعاملِ المعرفي مع القابلياتِ البشرية الخارقة (غير التقليدية) لأن ينأى العقلُ عن البحثِ عن كلِّ ما هو ذو صلةٍ بالشرِّ البشري غيرِ المسبَّب بالقوانينِ والأسباب التي تأتَّى للعِلم أن يحيطَ بها. وبذلك فلقد أبعدَ العِلمُ عن ساحةِ بحثِه المنهجي كلَّ ما هو ذو صلةٍ بـ “الشرِّ البشري الميتافيزيقي”، مستنداً في ذلك إلى تصورٍ مجحِف بحقِّ ما ليس بمقدورِ العِلم أن يضعَ يدَه عليه من قوانين هذا العالَم. فكيف فات العلماءَ أن يلحَظوا ما تناقلته كتبُ الأقدمين وشهاداتُ المعاصرين من أحداثٍ وظواهر، متعاليةٍ على الجغرافيا تعاليها على التاريخ، تشهد كلُّها بأنَّ للإنسانِ قابلياتٍ على إلحاقِ الضرر والأذى يكيفيةٍ تعجز معارفُنا المعاصرة عن التعليلِ لها؟
لقد آن الأوان للتحرُّرِ من القيود الإيديولوجية التي قيَّدَ بها العلمُ بحثَه المنهجي فجعله ينأى عن “التورط” في كلِّ ما ليس له علاقة بما تسنى له أن يحيطَ به من الأسبابِ والقوانين. إنَّ دعوةً كهذه، في حال استُجيبَ لها، سوف تعينُنا على التوصل إلى مقاربةٍ جديدة للإنسان، وللعالَم، تجعلنا أكثرَ قدرةً على الإحاطةِ بصورة العالَم كما بإمكانِنا أن نعرفَه، وبحقيقةِ أنفسِنا كما بوسعِنا أن نعرفَها. فكثيرُ من وقائعِ التاريخِ وأحداثِه، التي أعرضنا عنها لفرطِ غرابتِها وشدةِ غموضِها وتعقيدِها، سوف يتبيَّن لنا عندها أنَّها لم تكن محضَ خيال، ولا مجرد افتراءات وأباطيل، وإنما كانت حقيقةً تقف من ورائها قوانينٌ وقوى وأسباب لو أننا أحطنا بها، وتمكنَّا من تبيُّنِ علاقتِها السببية بتلك الوقائعِ والأحداث، لأصبحنا أكثرَ قدرةً على جعلِ عقولِنا تتقبل إمكانيةَ أن يكونَ لـ “الشرِّ الميتافيزيقي البشري” وجود لا يقل حقيقيةً عن الشرِّ البشري الذي نعرفه.
